هند بومديان
في قرارٍ أثار موجة واسعة من الجدل والاستياء، تم الإعلان عن حذف عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” من سيارات نقل الأموات، والاكتفاء بعبارة إدارية جافة: نقل الأموات. قرارٌ قد يبدو للبعض تقنيًا وتنظيميًا، لكنه في عمقه يمسّ واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياة الإنسان: لحظة الوداع الأخير.
الموت ليس مجرد حدث بيولوجي، بل محطة روحية عظيمة، تتقاطع فيها مشاعر الفقد، والخشوع، والدعاء، والرجاء. وحين تُنقَل جنازة مسلم في بلد مسلم، فإن عبارة التوحيد لا تكون زينة شكلية، بل رسالة إيمانية تختصر معنى الحياة والمصير، وتُذكّر الأحياء قبل الأموات بحقيقة الفناء والرجوع إلى الله.
إن نزع الشهادتين من سيارات نقل الأموات لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً إداريًا محايدًا. فالمسألة هنا ليست في الطلاء ولا في الشكل، بل في الرمزية. فالرموز ليست تفاصيل هامشية، بل تشكّل جزءًا من الهوية الجماعية، ومن الذاكرة الروحية للمجتمع.
في المغرب، ظلّت عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” حاضرة في مشهد الجنائز لعقود طويلة، ليس باعتبارها فرضًا قانونيًا، بل كعرفٍ مجتمعي نابع من وجدان ديني جماعي. وحين تُنتزع هذه العبارة، يشعر الكثيرون وكأن جزءًا من الطمأنينة قد سُلب منهم، وكأن لحظة الوداع صارت أكثر قسوة وجفافًا.
المدافعون عن القرار يبررونه بالسعي إلى توحيد الشكل، ومنع العشوائية، واحترام الحياد الديني. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل أصبح ذكر الله في لحظة الموت مسًّا بالحياد؟ وهل صارت الرمزية الدينية عبئًا يجب التخلص منه بدل احتوائه؟
ثم إن الحديث عن التعدد الديني لا يستقيم في هذا السياق، لأن سيارات نقل الأموات الخاصة بغير المسلمين لم تكن أصلًا تحمل الشهادتين، ولم يُفرض ذلك يومًا. وبالتالي، لم يكن هناك إقصاء أو فرض قسري حتى يُبرر هذا التغيير الجذري.
الأخطر من القرار نفسه، هو ما قد يفتحه من بابٍ لتطبيع الإفراغ الرمزي في الفضاء العام، خطوة بعد خطوة، تحت عناوين براقة كـ”التحديث” و”التوحيد” و”العقلنة”، بينما يتم تفريغ المجتمع تدريجيًا من روحه وهويته.
لسنا ضد التنظيم، ولا ضد تحديث الخدمات، بل نطالب بهما بقوة. لكن التنظيم الحقيقي يبدأ بتوفير عدد كافٍ من سيارات نقل الأموات، وضمان جاهزيتها، وتحسين ظروف نقل الجثامين، وصيانة المركبات، واحترام كرامة الميت وأهله. أما الانشغال بالشعارات بدل جوهر الخدمة، فلا يعالج عمق الأزمة.
كرامة الإنسان لا تتوقف عند حدود الحياة، بل تمتد إلى ما بعدها. ومن أبسط تجليات هذه الكرامة أن يُودَّع الميت بكلمة توحيد، تفتح له أبواب الرحمة، وتُسكّن قلوب ذويه.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بمشاريعها وبناياتها، بل تُقاس أيضًا بمدى حفاظها على رموزها الروحية، وعلى التوازن الدقيق بين التحديث والهوية.
فحين يُنزَع اسم الله من سيارة الموت، لا يُنزَع مجرد شعار… بل يُنزَع جزء من السكينة التي نحتاجها جميعًا في أكثر لحظاتنا هشاشة.
