*بقلم: د. إبراهيم نجيب –
*بولحية “بوامار”*، حاكم بويزكارن وتيمولاي فترة الحماية الفرنسية. يهودي تونسي الأصل، يتقن اللغة الأمازيغية. عمل كثيراً في تنمية المنطقة: شق الطرق، وإصلاح السواقي، ووضع بنية تحتية مهمة. كانت أحكامه صارمة لا تُناقش، وغالباً قاسية، لكنها تصب في مصلحة السكان.
قليل من السكان من يعرف أن *”بولحية”* اسمه الحقي هو *”ميكائيل”*. كان حاكماً عسكرياً ببويزكارن والمناطق المجاورة لها. يهودي تونسي عاش في المغرب ردحاً من الزمن، وجنسيته فرنسية. تعلم اللغة الأمازيغية وتحدث بها بطلاقة كما كان يتكلم بالدارجة المغربية ، مما سهل له التواصل مع السكان.
إلى اليوم، الكل في تيمولاي يتذكره ويروي عنه، ويتحدث عن صفاته ومنجزاته. كان رجلاً مجدّاً وحازماً يحب العمل، ويتميز بالشدة والقسوة أحياناً.
*1. أبرز المنجزات التي يذكرها السكان:*
*أ. شق الطرق داخل الحقول*
بعدما كانت حقول تيمولاي كغابة لا يمكن الولوج إليها، وكانت القناة المائية “الساقية” هي الممر الوحيد وسط الحقول، استدعى *”إنفلاس”* و*”الجماعت”* وتحدث معهم حول أهمية شق الطرق وسط الحقول ليتمكن السكان من استعمال وسائل نقل منتجاتهم دون عناء.
فأخبروه بعد المشاورة مع السكان أنهم يخافون على منتجاتهم من السرقة. فقال لهم مقولته الشهيرة بالأمازيغية:
*”واياد يوكّرن تيفلّت، أرّمس فلّاس رّان ئتّوقّين أر كيغ تنوا تي مال”*
أي: “ومن ضُبط وهو يسرق الفلفل، سيُحبس حتى ينضج فلفل العام المقبل”.
*ب. حماية شجر الأركان*
منع الماعز والإبل من الرعي في الأماكن التي يتواجد فيها الأركان، ومنع الرحّل من الدخول إلى مجال الأركان. وكان دائماً يقول للسكان: “عليكم الاهتمام بتنمية منطقتكم”.
وكان يردد: “عندما سأخرج لن أحمل معي إلا ما يحمله الفقيه عندما تطرده القبيلة من المسجد، أي لن يحمل معه إلا الجلباب”.
*ج. العدل في الأحكام*
السكان دائماً يقارنون بين “بولحية” ومن تنتدبه السلطة لتمثيلها. مثلاً إذا اشتكى شخص برجل اعتدى على ملكه وتعدّى عليه، فاستدعاهما الحاكم وسأل الأول: “كيف حصلت على هذه الأرض؟ وهل لك حجة على ما تدعي؟” فأجابه بأن أجداده كانوا يستغلونها. فسأل الثاني، فأخبره أن الأرض ملك له، يعمل فيها وهي مصدر عيشه هو وأولاده، وهذه حجته. فحكم لهذا الأخير. وكانت أحكامه تُنفّذ على الفور، ولا يمكن تأجيلها أو استئنافها.
*د. غرس الصبار “أكنّاري”*
يرجع الفضل لميكائيل في غرس شجر الصبار المعروف بـ *”أكنّاري”* _Aknari_ في مجموعة من المناطق. وكان ينصح السكان بالجد والعمل واستغلال الإمكانيات المتوفرة.
*هـ. بناء الأحواض المائية*
أنجز بولحية الكثير من الأحواض في المناطق الجبلية، ما زالت صالحة للاستعمال إلى اليوم، فيما لم تعد الأحواض الحديثة قادرة على الصمود.
*2. علاقته بأعراف السكان والمؤسسات المحلية*
استطاع “بولحية” بتجربته وحنكته وتواصله مع السكان تحقيق مجموعة من المنجزات الجليلة التي لا تزال تشهد بكفاءة هذا الرجل، رغم خروج الاستعمار من المغرب نهاية الخمسينات.
احترم أعراف السكان ونظمهم القانونية، فكان دائماً على اتصال بالمجلس الجماعي الذي تمثله *”اللجنة”* أو *”آيت أربعين”* أو *”إنفلاس”*، فكان يستشيرهم في كل صغيرة وكبيرة.
ورغم ديانته اليهودية التي لم يكن يعرفها أغلب السكان، احترم شؤون المسجد التي كان المجلس الجماعي يتكفل بها. فكان المسجد في ذلك الوقت مؤسسة للتربية والتكوين، وليس فقط مكان عبادة وخشوع. وكانت “الجماعت” هي التي تموله وتسيره.
*3. تنظيم السقي: “كناش العين”*
في مجال السقي، يرجع الفضل إلى بولحية في إعادة كتابة *”كناش العين”* المتعلق بتسجيل نوبات وحص الماء لكل مجموعة بشرية. و*”الكناش”* أو *”الديوان”* كما يسميه البعض، يتضمن أسماء العائلات التي تتوفر على حصصها من العين أي *”تيرّام ن تاناسين”* _Tirram n Tanassine_. فتمت إعادة الكتابة بشكل منظم متضمناً أسماء العائلات وحصصها طوال أيام الأسبوع.
—

