في إحدى السنوات التي عرفت الجفاف وقلة الماشية، اجتمع رجال القبائل في مجلس بمدينة آسا، وكان النزاع بين رجل من واد نون ورجل اخر حول مجموعة من الإبل.
كل واحد منهما كان يؤكد أن الإبل ملكه، وكاد الخلاف أن يتحول إلى صدام بين القبيلتين، خاصة أن الإبل في ذلك الزمن لم تكن مجرد حيوانات، بل كانت رمزًا للثروة والكرامة والنفوذ.
وحضر المجلس ضابط فرنسي كان يراقب الوضع، محاولًا فهم طريقة حكم القبائل في الصحراء. وكان الجميع يتحدث في وقت واحد، حتى دخل القائد محمد الخرشي بهدوئه المعروف، وجلس صامتًا يستمع دون أن يقاطع أحدًا.
وبعد أن انتهى الرجال من الكلام، طلب الخرشي أن تُترك الإبل بعيدة عن أصحاب النزاع لبعض الوقت. ثم قال إن الإبل تعرف أصحابها أكثر مما يظن الناس.
وأمر أن يُنادى كل رجل على الإبل بطريقته المعتادة.
اقترب الرجل الأول ونادى، فتحركت بعض الإبل نحوه، لكن بقي أغلبها في مكانه.
ثم تقدم الرجل الثاني، وما إن رفع صوته حتى تحركت الإبل كلها تقريبًا نحوه بسرعة، حتى إن بعضها بدأ يقترب منه دون خوف.
عندها التفت الخرشي إلى الحاضرين وقال إن الحيوان لا يكذب، وإن الإبل اعتادت صوت صاحبها ورائحته وطريقته في التعامل معها.
فساد الصمت في المجلس، واقتنع أغلب الحاضرين بالحكم دون قتال أو خصام.

ويقال إن الضابط الفرنسي الذي كان حاضرًا اندهش من طريقة حل النزاع، لأنه كان يتوقع أن يُحسم بالقوة أو بالسلاح، لكنه رأى أن الحكمة والمعرفة بعادات الصحراء كانت كافية لإنهاء المشكلة.

وهكذا بقي اسم القائد محمد الخرشي مرتبطًا بالحكمة والدهاء بين أهل الصحراء ، لا بالقوة وحدها.

