في هذه الدنيا رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بما امتلكوا من مالٍ أو جاه، بل بما يتركونه من أثرٍ طيب في القلوب، وما يقدمونه من خيرٍ وإصلاحٍ بين الناس. ومن هؤلاء كان جدي المرحوم عبدهم ولد بادي رحمه الله تعالى، الذي ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة أهل زويرات وولاية تيرس الزمور، لما عُرف به من حكمةٍ ورجاحة عقلٍ وسعيٍ دائم في خدمة الناس وجمع الكلمة.
كان منزله في حي ديميز بمدينة زويرات بيتًا مفتوحًا للجميع، لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين وجيهٍ وبسيط. فكل من قصده وجد حُسن الاستقبال وكرم الضيافة والنصيحة الصادقة، حتى غدا بيته بمثابة مجلسٍ عام لأهل المنطقة، تُطرح فيه القضايا وتُناقش فيه المشكلات، وتُبذل فيه الجهود من أجل الإصلاح ولمّ الشمل.
وقد اكتسب رحمه الله مكانةً رفيعة لدى مختلف مكونات المجتمع، حتى أصبح من المعتاد أن تكون أول زيارة يقوم بها أي مسؤول إداري أو عسكري، أو أي وافد جديد إلى مدينة زويرات، هي زيارة منزله، تقديرًا لمكانته واحترامًا لدوره الاجتماعي. فقد كان مرجعًا يُستأنس برأيه، وشخصيةً تحظى بثقة الجميع.
ولم تقتصر مكانته على مدينة زويرات، بل امتدت إلى عموم ولاية تيرس الزمور، حيث كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز وجهائها ورجالاتها. وكان منزله مقصدًا للوجهاء والأعيان ومختلف القبائل والسلطات، حتى أصبح مرجعية اجتماعية يُلجأ إليها في القضايا العامة، لما عُرف عنه من حكمةٍ ونزاهةٍ وحرصٍ على الخير والإصلاح.
وقد حظي المرحوم بمكانةٍ خاصة لدى الرئيس المؤسس للجمهورية الإسلامية الموريتانية، المختار ولد داداه رحمه الله، الذي كان يثق في رأيه ويستأنس بمشورته في قضايا الشمال. وقد ربطتهما علاقة احترامٍ وتقديرٍ متبادل، وكان الرئيس خلال زياراته للمنطقة يحرص على زيارته والاطمئنان عليه والاستماع إلى آرائه.
كما ظل رحمه الله محل تقدير لدى رؤساء الدولة وكبار المسؤولين على مدى سنوات، حيث كان منزله محطةً أساسية في زياراتهم لولاية تيرس الزمور، لما يتمتع به من مكانة اجتماعية وحضور مؤثر في محيطه.
وكان رحمه الله يسارع إلى الإصلاح بين الناس عند وقوع الخلافات، مؤمنًا بأن الصلح خير. فكان يجمع الأطراف المتخاصمة، ويقرب وجهات النظر، حتى تعود المودة والوئام. وقد شهد له الكثيرون بحكمته في إنهاء نزاعات معقدة، وبكلمته المسموعة وأثره الكبير في الإصلاح.
كما كان من أبرز من حملوا هموم قبيلته الشرفاء الرگيبات، فدافع عن مصالحها بالحكمة والتبصر، ومثلها خير تمثيل لدى السلطات، وسعى دائمًا إلى وحدة الصف وخدمة الصالح العام دون أي مصلحة شخصية.
لقد عاش عبدهم ولد بادي للناس قبل أن يعيش لنفسه، فكان صاحب كلمةٍ محترمة، وموقفٍ مؤثر، وقلبٍ مفتوح للجميع. وترك سيرةً طيبةً ما زالت تُروى، وأثرًا حسنًا لا يُنسى.
واليوم، ونحن نستحضر سيرته، لا نذكر مجرد رجلٍ رحل، بل نذكر حياةً حافلة بالعطاء والإصلاح والكرم. وما زال أثره باقيًا في القلوب، شاهدًا على رجلٍ خدم مجتمعه بإخلاص.
اللهم ارحم جدي عبدهم ولد بادي رحمةً واسعة، واغفر له، ونوّر قبره، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله، واجعل ما قدّم من خيرٍ وإصلاحٍ في ميزان حسناته.
اللهم اجعل ذكراه صدقةً جارية، وبارك في ذريته، واحفظهم، واجعلهم امتدادًا لخير ما ترك.
رحم الله جدي عبدهم ولد بادي رحمةً واسعة.
مصباحة ولاد عبدهم بادي

