في ظل وضع سياسي واجتماعي مطبوع بالارتباك، يواصل حزب العدالة والتنمية تنزيل برنامجه التأطيري من خلال لقاءات تواصلية مفتوحة مع المواطنين، كان آخرها اللقاء الذي نظمته الكتابة الجهوية للحزب بجهة كلميم وادنون مساء السبت 14 يونيو الجاري بدار الشباب النصر بمدينة كلميم، تحت عنوان: “المشهد السياسي ببلادنا في ظل المستجدات الراهنة”، والذي أطره الدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، عضو الأمانة العامة للحزب ورئيس المجلس الوطني السابق، بحضور نوعي جمع بين مناضلي الحزب وفاعلين مدنيين ومواطنين أبدوا اهتماماً لافتاً بالموضوع.
ومنذ اللحظات الأولى للقاء، بدا جلياً أن الدكتور الأزمي جاء محمّلاً بتشخيص دقيق للمرحلة، لا يقتصر فقط على توصيف الأزمة، بل يسعى إلى تحليل جذورها ومآلاتها، مستعرضاً عدداً من المعطيات التي تعكس التحديات المتراكمة التي تواجهها البلاد. وقد اعتبر أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة حكومة أو تدبير مرحلي، وإنما أزمة بنيوية عميقة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي التوازنات السياسية والاقتصادية التي تُسيّر بها البلاد.
الأزمي أوضح أن من مظاهر هذه الأزمة غياب الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتراجع المشاركة السياسية، وانسحاب فئات واسعة من المواطنين من الفضاء العام، إما بدافع الإحباط أو بسبب الشعور بأن صوتهم لم يعد له تأثير في السياسات العمومية. واعتبر أن هذا العزوف هو نتيجة مباشرة لممارسات تميّزت، حسب تعبيره، بإقصاء الفاعل السياسي الجاد، وتضييق مساحات التعبير، وتبخيس العمل الحزبي، مما أفرز مشهداً سياسياً باهتاً لا يعبّر عن تعددية حقيقية ولا عن حيوية ديمقراطية.
وفي تحليله للوضع الاقتصادي، أبدى الأزمي قلقه من اتساع الهوة بين الطبقات، وتفاقم معاناة المواطنين مع غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، في ظل سياسات حكومية وصفها بالعاجزة عن تقديم حلول واقعية ومستجيبة لانتظارات الفئات المتضررة، لا سيما الشباب والطبقة المتوسطة. وقال إن مؤشرات الفقر والتفاوت المجالي والاجتماعي آخذة في التصاعد، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويفتح الباب أمام أشكال متعددة من التوتر والاحتقان.
كما خصص الأزمي حيزاً مهماً من مداخلته لتسليط الضوء على أعطاب الفعل الحزبي في المغرب، معتبراً أن بعض الجهات تسعى إلى صناعة مشهد سياسي موجه ومتحكم فيه، عبر الترويج لفكرة نهاية الأحزاب أو عدم جدواها، وهو ما يشكل، في رأيه، تهديداً حقيقياً للديمقراطية ولدور الوساطة السياسية التي تشكل صمام أمان في كل نظام سياسي. ودعا في المقابل إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي النزيه، وتشجيع المشاركة السياسية، وفسح المجال أمام النخب الجادة للقيام بأدوارها في التأطير والترافع والمساءلة.
وفي حديثه عن تجربة حزب العدالة والتنمية، أكد الأزمي أن الحزب، رغم كل ما تعرض له من استهداف وتضييق وتبخيس، لا يزال وفياً لاختياره الإصلاحي الديمقراطي، ويواصل عمله التأطيري والتنظيمي، في أفق تجديد هياكله وتعزيز موقعه كقوة اقتراحية وازنة في المشهد السياسي. وأشار إلى أن زيارة كلميم تندرج في إطار الدينامية التنظيمية الجهوية التي تعرفها مختلف الجهات استعداداً للاستحقاقات التنظيمية المقبلة، معتبراً أن اللقاءات التواصلية من هذا النوع تتيح المجال للاستماع إلى نبض المواطنين والانفتاح على قضاياهم الحقيقية.
اللقاء، الذي دام أزيد من ساعتين، لم يخلُ من تفاعل حيّ مع الحاضرين، الذين بادروا إلى طرح أسئلتهم وملاحظاتهم حول قضايا متعددة، من قبيل التنمية المحلية، وتردي الخدمات، وتراجع دور الجماعات الترابية، وسبل النهوض بالشأن العام من داخل المؤسسات، حيث أجاب الأزمي على معظم المداخلات بصراحة ووضوح، دون أن يتردد في نقد بعض الاختلالات التي تطال المنظومة المؤسساتية، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.
وفي ختام اللقاء، دعا الأزمي إلى تعزيز ثقافة النقاش السياسي المسؤول، والانخراط الواعي في الشأن العام، بعيداً عن منطق التيئيس والتبخيس، مؤكداً أن المغرب في حاجة إلى تجديد تعاقده السياسي على قاعدة الكرامة والعدالة والحرية، وأن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة سياسية حقيقية، وبانخراط مجتمعي واسع يعيد المعنى للفعل السياسي ويُخرج الديمقراطية من حالة الجمود.،
الى ذلك، شكّل اللقاء مناسبة حزبية ذات طابع فكري وسياسي، أتاحت قراءة دقيقة للمشهد العام وتأملاً جماعياً في أسئلة الراهن والمستقبل، وساهمت في إبراز أهمية الخطاب السياسي الواعي في توجيه الرأي العام. وقد اتسم اللقاء بأجواء من التفاعل والانفتاح، حيث جرى استحضار التحديات المطروحة وسبل تجاوز الأزمة وبناء الثقة بين المواطن والدولة، على أساس الشفافية والمسؤولية والجرأة في قول الحقيقة.
جدير بالذكر أن حزب العدالة والتنمية بجهة كلميم وادنون سيعقد صباح اليوم الأحد 15 يونيو الجاري مؤتمره الجهوي 7، والذي سيترأس أسغاله، الدكتور ادريس الأزمي الادريسي، النائب الاول للأمين العام للحزب، بالمقر الجهوي تحت شعار:”دفاعا عن مصداقية الخيار الديمقراطية وكرامة المواطن”

