من الغريب في هذا المجتمع أنك كلما ساعدت شخصًا، كشفت لك الأيام معدنه الحقيقي، فبعض المواقف كفيلة بأن تُظهر لك حقيقة من أحسنت إليهم، وأن بعض المعروف لا يكشف لك معادن الناس إلا بعد أن تتحسن أحوالهم.
فكم من شخص مدّ له الناس أيدي العون، وجمعوا له التبرعات، ووقفوا إلى جانبه في أحلك الظروف، وكان الفقراء من بين من اقتطعوا من قوت يومهم لمساعدته، لكن ما إن تبدلت أحواله، حتى تنكر لمن ساندوه، وأصبح ينظر إليهم من برج عالٍ، بل ربما سخر منهم وتكبر عليهم.
المؤلم ليس أن تتغير أحوال الإنسان من الفقر إلى الغنى، فذلك فضل من الله، وإنما المؤلم أن تتغير أخلاقه، وأن ينسى الأيادي التي امتدت إليه يوم كان في أمسّ الحاجة إليها.
لقد رأينا أشخاصًا كانوا بالأمس يشكون ضيق ذات اليد، ويطرقون الأبواب طلبًا للمساعدة، ويتألمون من نظرة المجتمع إليهم، فلما تحسنت ظروفهم، أصبحوا يتجنبون الفقراء، ويخجلون من مجالستهم، وكأنهم يريدون محو ماضيهم، متناسين أن الفقر ليس عيبًا، وأن الحاجة قد تصيب أي إنسان، وأن الأيام دول.
والأغرب من ذلك أن بعضهم لا يكتفي بالتنكر لماضيه، بل يتحول إلى أشد الناس قسوة على من يعيشون الظروف التي عاشها بالأمس، وكأنه يريد أن يثبت للمجتمع أنه لم يعد واحدًا منهم.
إن مساعدة المحتاج لا تُشترى بها مواقفه، ولا ننتظر مقابلها جزاءً أو شكورًا، لكن الوفاء وحفظ الجميل من شيم الكرام. ومن حق من أحسن إليك ألا تنكر فضله، ومن واجبك ألا تجعل تحسن ظروفك سببًا للتعالي على من لا يزالون يعانون ما عانيت.
وفي النهاية، تبقى الأيام خير كاشف لمعادن الرجال؛ فليس كل من بكى أمامك صادقًا، ولا كل من ابتسم لك وفيا، ولا كل من ساعدته سيحفظ لك معروفك.
وأشد الناس جحودًا من ينسى اليد التي انتشلته من ضيق الحاجة، ثم يمد لسانه بالسخرية إلى أناس لا يزالون في المكان الذي كان يقف فيه بالأمس.
منصة الكدية
