أعتقد أن النقاش حول هذه الاتفاقية ينبغي أن يتجاوز الدفاع عن المبادرة من حيث مبدئها، إلى مساءلة الرؤية التي تؤطر تدبير شؤون الجهة وأولويات صرف المال العام.
أولا، لسنا ضد دعم الطلبة المتفوقين من أبناء الأسر المعوزة، وإنما نعيب على المجلس غياب رؤية تنموية متكاملة. فبدل رصد ميزانيات ضخمة لاتفاقيات من هذا النوع، كان الأجدر التفكير في كيفية استثمار هذه الإمكانيات في حلول مستدامة لأزمة الخصاص الطبي بالجهة، سواء بالمساهمة في بناء كلية للطب، أو توسيع العرض الجامعي بما يسمح برفع عدد الأطباء المتخرجين، أو تحسين الخدمات بالمستشفى الجهوي، وتوفير السكن الوظيفي للأطر الطبية، وإقرار تحفيزات تساعدها على الاستقرار والعمل في ظروف لائقة.
فكلميم، عاصمة الجهة، لا تزال تفتقر إلى عدد من مقومات العيش الكريم، وهو ما لا يدفع الطبيب وحده إلى المغادرة، بل قد يدفع المدرس وغيره من الأطر والكفاءات إلى البحث عن ظروف أفضل خارجها. فكيف نفكر في استقدام أطباء المستقبل، بينما لا نوفر للأطباء الموجودين اليوم أسباب البقاء والاستقرار؟ وكيف نضمن استفادة الساكنة من الأطر التي نكوّنها، إذا ظلت ظروف العيش والعمل طاردة للكفاءات؟
ثانيا، ما نعيبه في الاتفاقية ليس مبدأها، وإنما المبالغ المرصودة لها، والتي تستدعي نقاشا جديا حول أسس تحديدها ومدى تناسبها مع الحاجيات الفعلية. نحن أمام 15 مليونا و600 ألف درهم لفائدة 20 طالبا وطالبة، أي 780 ألف درهم لكل مستفيد على مدى ست سنوات. وهي مبالغ تفرض علينا التساؤل عن البدائل الممكنة، وعن الأثر الذي كان يمكن تحقيقه لو وُجّهت هذه الإمكانيات إلى مشاريع ذات أثر أوسع وأكثر استدامة على المنظومة الصحية بالجهة.
وحتى إن نصت الاتفاقية على إرجاع المبالغ المتبقية، فإن النصوص وحدها لا تكفي لضمان حسن التدبير. فالتجارب السابقة تجعل من حقنا المطالبة بضمانات واضحة وآليات دقيقة للتتبع والتقييم، بعيدا عن الاتهامات المجانية، ولكن أيضا بعيدا عن الثقة المطلقة التي لا تسندها معطيات ونتائج ملموسة.
ثالثا، هناك إشكال لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية انتقاء المستفيدين وبمواكبة هذه المبادرة منذ مرحلة إعدادها. ما المعايير الدقيقة المعتمدة للاختيار؟ وكيف ستُضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين أبناء الأقاليم الأربعة؟ ومن سيتولى التحقق من الاستحقاق الاجتماعي والتفوق الدراسي؟ وما آليات التتبع والمواكبة خلال سنوات الدراسة الست؟ وكيف ستُراقب الالتزامات المتبادلة، ولا سيما التزام الخريجين بالعمل في الجهة لمدة خمس سنوات؟
إن نجاح مثل هذه المبادرات لا يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقية ورصد الاعتمادات، بل يقتضي إعدادا محكما، وانتقاء نزيها، ومواكبة مستمرة، وتقييما دوريا للنتائج. كما أن الإعلان عن المبادرة لا ينبغي أن يسبق توضيح تفاصيلها الأساسية للرأي العام، حتى تكون الثقة مبنية على الوضوح والضمانات، لا على النوايا وحدها.
رابعا، لماذا لا يُفتح النقاش أيضا حول مشروع «المدرسة الرقمية» الذي قدمته المؤسسة نفسها؟ ما النتائج التي حققها هذا المشروع؟ وما أثره الفعلي على أبناء الجهة؟ وكم عدد المستفيدين منه؟ وما القيمة المضافة التي تركها على أرض الواقع؟ إن تقييم المشاريع السابقة وقياس أثرها شرط أساسي قبل إطلاق مبادرات جديدة ورصد اعتمادات إضافية لها. فالمحاسبة على النتائج ينبغي أن تكون قاعدة في تدبير المال العام، لا أمرا نلجأ إليه فقط عندما تثار الانتقادات.
وأخيرا، ما نعيبه على أعضاء المجلس ليس المصادقة على اتفاقيات قد تكون لها أهداف نبيلة، وإنما غياب الجرأة في مساءلة رئيسة الجهة عن الرؤية التي تدبر بها شؤونها، وعن أولويات صرف المال العام، في ظل غياب نتائج تنموية ملموسة.
فدوركم لا يقتصر على تبرير القرارات والدفاع عنها، بل يقتضي الرقابة والمساءلة وتصحيح الاختلالات. لسنا ضد هذه الاتفاقيات، وإنما ضد تدبير يفتقر إلى رؤية واضحة، ويهدر فرصا كان بالإمكان استثمارها في مشاريع أكثر استدامة وأوسع أثرا على الجهة وساكنتها.
ذ.صلاح بومزوغ -كلميم
