بقلم : نورة بنيحيى
لم أكن أتصور يوماً أن يأتي وقت يصبح فيه السرير هو كل عالمي… أن أستيقظ فأجد نفسي في المكان نفسه الذي نمت فيه، وأن أنظر إلى الساعة فلا يعني مرور الوقت بالنسبة لي سوى انتقال الألم من لحظة إلى أخرى.
أصبت بكسر في كتفي الأيمن، ذلك الكتف الذي كنت أعتمد عليه في أبسط تفاصيل حياتي، ثم وجدت نفسي في الوقت نفسه عاجزة عن المشي برجلي اليسرى. أصبح جسدي، الذي كنت أظنه ملكي وأتحكم فيه كما أشاء، فجأة يفرض عليّ شروطه القاسية. لا أستطيع أن أمشي، ولا أن أتحرك كما أريد، ولا حتى أن أغير وضعيتي في السرير دون أن أفكر في الألم الذي ينتظرني.
أصبحت ألتزم السرير أربعاً وعشرين ساعة… أربعاً وعشرين ساعة تبدو لمن يعيش حياته بشكل طبيعي مجرد يوم عادي، لكنها بالنسبة لمن فقد القدرة على الحركة يمكن أن تكون دهراً كاملاً.
في البداية كنت أظن أن أصعب ما في الأمر هو الألم الجسدي. كنت أقول لنفسي: سيُشفى الكسر، وستعود القدم إلى الحركة، وسينتهي هذا كله يوماً ما. لكنني اكتشفت مع مرور الأيام أن هناك ألماً آخر، أكثر قسوة وأقل وضوحاً… ألم الوحدة.
فالمرض لا يكشف لنا ضعف أجسادنا فقط، بل يكشف لنا أيضاً حقيقة الذين حولنا.
كم من شخص كنت أظنه قريباً اكتشفت أنه لا يعرف حتى كيف يسأل عني؟ وكم من صديق كنت أعتقد أن بيني وبينه ما هو أكبر من مجرد علاقة عابرة، فإذا به يختفي في اللحظة التي كنت في أمسّ الحاجة إلى وجوده؟
كنت أظن أن الإنسان حين يسقط يجد من حوله أيدي تمتد إليه كي تساعده على النهوض… لكنني اكتشفت أن بعض الأيدي لا تظهر إلا عندما تكون واقفاً وقادراً على العطاء.
أما حين تصبح أنت المحتاج، حين يصبح عليك أن تطلب أبسط الأشياء، وحين يصبح مجرد الانتقال من السرير إلى مكان آخر مهمة تحتاج إلى مساعدة، يبدأ الكثيرون في الابتعاد بصمت.
ولعل أقسى ما في الأمر ليس أن يتخلى عنك الآخرون، وإنما أن تكتشف أنك كنت تمنحهم في الماضي أكثر مما كانوا يمنحونك، وأنك كنت تعتبرهم عائلة بينما كانوا يعتبرونك مجرد محطة عابرة في حياتهم.
أحياناً أبقى مستلقية وحدي، أراقب السقف طويلاً، وأفكر في كل الأشياء التي كنت أفعلها دون أن أنتبه إلى قيمتها. المشي… الخروج… الذهاب إلى العمل… لقاء الناس… قيادة السيارة… حتى الوقوف أمام المرآة وتغيير ملابسي أصبحت كلها أشياء تبدو الآن كأنها امتيازات كنت أعيشها دون أن أعرف أنها امتيازات.
وأضحك أحياناً من نفسي حين أتذكر كم كنت أشتكي من التعب وأنا أتحرك طوال اليوم، وأتمنى لو أستطيع الآن أن أعيش ذلك التعب نفسه ولو لساعات.
لقد علّمني المرض أن الصحة ليست مجرد غياب الألم، بل هي الحرية التي يمنحها لنا الجسد دون أن نشعر.
أما نفسياً، فقد كان الأمر أشد قسوة.
فحين يطول البقاء في السرير، يصبح العقل أكثر نشاطاً من اللازم. تعود الذكريات القديمة، وتكبر الأسئلة، وتظهر وجوه أشخاص لم أكن أتوقع أن أفتقدهم، وتُعاد أمامي مواقف كنت قد نسيتها. يصبح الليل طويلاً بشكل مخيف، ويصبح الصمت أحياناً أعلى من أي ضجيج.
وأكثر ما يؤلمني أنني لم أكن أحتاج إلى الكثير.
لم أكن أطلب من أحد أن يحمل عني مرضي، ولا أن يعيش ألمي بدلاً مني. كنت أحتاج فقط إلى سؤال صادق: كيف حالك اليوم؟
إلى يد تمتد دون أن أطلبها.
إلى شخص يجلس بجانبي قليلاً، لا ليفعل شيئاً، وإنما فقط كي لا أشعر أنني وحيدة في هذه المعركة.
لكن حتى ذلك كان كثيراً على البعض.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الألم، بدأت أفهم شيئاً مهماً: ربما كان المرض قاسياً، لكنه كان صادقاً. لقد أخذ مني القدرة على الحركة، لكنه منحني القدرة على رؤية أشياء كثيرة بوضوح لم أكن أراها وأنا أركض في الحياة.
عرفت من يبقى حين لا أملك شيئاً لأقدمه، ومن يختفي حين أصبح أنا من يحتاج إلى العطاء.
وعرفت أيضاً أن الإنسان قد يخسر أصدقاء وأقارب، لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه معهم.
لذلك، وأنا مستلقية على هذا السرير، بكتفي المكسور ورجلي التي لم تستعد قدرتها على المشي بعد، أحاول أن أتعلم من جديد معنى الصبر.
قد يكون جسدي اليوم عاجزاً عن الوقوف، لكن هذا لا يعني أن روحي يجب أن تسقط أيضاً.
سأتعافى… ربما ببطء، وربما بعد وقت أطول مما أتمنى.
وسأمشي من جديد.
لكنني حين أمشي هذه المرة، لن أكون الإنسانة نفسها التي كانت تمشي قبل هذا الألم.
سأمشي وأنا أعرف قيمة كل خطوة، وقيمة كل يد امتدت إليّ، وقيمة كل شخص بقي بجانبي حين لم أعد قادرة على الوقوف.
وسأعرف أيضاً أن بعض الذين تركوني وأنا على السرير، لن يكون لهم مكان إلى جانبي حين أقف من جديد.
