عبد الهادي بوصبيع
تفاعلا مع النقاش الذي أثير حول مخرجات الاجتماع الأخير للجنة الإقليمية #للمبادرة_الوطنية_للتنمية_البشرية ب #طانطان، يوم الثلاثاء الماضي، تأتي الملاحظات التالية:
بداية، مما يجدر التنويه به، هو فتح أشغال اللجنة الإقليمية للإعلام المحلي لنقل أطوار الاجتماع، وتمكين الرأي العام المحلي من الاطلاع المباشر على مخرجات اللجنة الإقليمية، وهذه خطوة على بساطتها، تعزز الشفافية، وبالتالي ترسخ مبادئ الحكامة في تدبير الشأن العام.
ثانيا، لم يعد برنامج تدارك الخصاص في البنيات التحتية مركز اهتمام وأولوية لدى اللجنة الإقليمية بطانطان مثلما كان عليه الحال في المراحل السابقة، خصوصا في ظل وجود برامج حكومية (محاربة الفوارق المجالية والاجتماعية) موجهة لهذا الغرض، وفي تقاطع أيضا مع اختصاصات المجالس الإقليمية.
ثالثا، بخصوص تدبير قضية التشغيل أو ما يسمى بتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي الشباب، يبرز عدم التوازن في توجهات اللجنة، إذ أصبح خيار دعم تحسين قابلية التشغيل محوريا في مقابل غياب دعم ريادة الأعمال، بل إن الخطير هو جعل فاعلين محليين بديلا عن منصة الشباب المعطَّلة، التي تعتبر فضاء مؤسساتيا، مهمته التأطير والمواكبة وتقديم الدعم المالي للشباب حاملي المشاريع.
وفي هذا الصدد، لا بد من التأكيد على أن تعطيل محور تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، بما يعني وقف الدعم المالي الموجه للشباب حاملي أفكار المشاريع، فيه هدر للمال العام من جهتين، أولا، لأنه يجعل الاستثمار العمومي بدون مردودية، فما الجدوى من إنفاق المال العام لإحداث مرفق عمومي، يُترك مغلقا لسنوات، ولا يؤدي وظيفته التي من أجلها تم إحداثه؟ وثانيا، تعطيل المنصة، يُضيع عن الإقليم فرص حقيقية لخلق مناصب عمل جديدة، تُنتج الثروة وتُنشط الدورة الاقتصادية، وتُخفض من معدلات البطالة التي بلغت أرقامها عنان السماء. فمن يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟
رابعا، إن إشراك الفاعل المدني المحلي في تنزيل سياسات وبرامج عمومية، أمر إيجابي، يسحق التنويه والإشادة، لكن لا يجب أن يكون على حساب قواعد الحكامة الجيدة، فالملاحظ أن منهجية اختيار الجمعيات والتعاونيات التي ظفرت بتدبير مشاريع المبادرة على مستوى إقليم طانطان، لم تتم وفق مسطرة طلب عروض مفتوح أمام الجميع – كما فعلت باقي العمالات الأخرى- وبدون دفتر تحملات، يحدد بدقة مواصفات المطلوب إنجازه من طرف الجمعيات الشريكة، وهذا يعد إخلالا بمبادئ تكافؤ الفرص والمساواة بين مختلف الفاعلين المدنيين، لذلك فهذه المقاربة تمثل امتداد للمنهجية التي تم إرساؤها قبل جائحة كوفيد-19، وقد تابع الجميع نتائجها الكارثية، والتي لايزال أبناء الإقليم من الشباب المعطلين يؤدون كلفتها، حيث أسفرت التحقيقات الأولية -لم يفرج عن نتائجها إلى حدود اليوم- عن وجود اختلالات في تدبير برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، مما ترتب عليه توقيف بعض الموظفين ومعهم تم تجميد برنامج دعم وتمويل مشاريع الشباب الطنطاني.
خامسا، ليس عيبا اللجوء إلى جمعيات ذات الخبرة والكفاءة في مجال تخصصها من خارج الإقليم للاستفادة من تجربتها في تنزيل عدد من البرامج الحكومية وتسيير عدد من المرافق العمومية، لكن يجب أن يكون ذلك في إطار من الوضوح والتعاقد المبني على النتائج والمشروط بتحقيق الأثر التنموي، وتجويد الخدمات المقدمة للمرتفقين من ساكنة الإقليم.
كذلك، من الضروري أن يكون لهذه الجمعيات مخطط تواصلي مع الساكنة، يمكن الفئات المستحَقَّة والمستهدفة من الاستفادة على قدم المساواة وبطريقة مؤسساتية من برامج هذه الجمعيات الممولة من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، كما يفترض الزام هذه الجمعيات بتقديم حصيلة عملها لعموم المواطنين نهاية كل سنة مالية، من باب تعزيز المسؤولية في صرف المال العام.
سادسا، دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، يفترض أن يتقاطع مع توجهات خارطة الطريق 2022-2026، ويركز على الدعم التربوي لتحسين جودة التعلمات الأساس بالتعليم الإلزامي أكثر من السلك الثانوي، وفق مقاربة وقائية، وليس المراهنة كليا على المقاربة العلاجية.
خلاصة القول، تركز المقاربة الحالية على توجيه تدخلات اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتحسين جودة الخدمات الاجتماعية الأساس (التعليم والصحة والتكوين لتعزيز القابلية للتشغيل) وتقوية الدعم الاجتماعي للفئات في وضعية صعبة، إلا أن الخيارات المعتمدة في التنزيل، تتخللها ثغرات على مستوى الحكامة، يلزم تداركها، بالنظر إلى تأثيرها السلبي على مردودية هذه المشاريع، إضافة إلى استمرار هامشية دعم ريادة الأعمال في توجهات اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بطانطان، رغم الحاجة الملحة لهذا البرنامج في ظل الاحتقان الاجتماعي الذي تؤكده الاحتجاجات اليومية لتنسيقية المعطلين أمام مقر عمالة طانطان، نتيجة عدم نجاعة الحلول المعتمدة لخفض معدلات البطالة المرتفعة بإقليم طانطان.

