شهدت الصحراء المغربية، في 12 من عام 2020، تحولًا مفصليًا بعد أن تمكنت القوات المسلحة الملكية من تحرير معبر الكركرات الحدودي وطرد ميليشيات “البوليساريو” الانفصالية، لتعيد بذلك فتح شريان تجاري استراتيجي يربط المغرب بإفريقيا جنوب الصحراء، وتمهّد لمسار دبلوماسي غير مسبوق عزّز الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء.
ففي 12 نونبر 2020، أعلن المغرب إطلاق عملية عسكرية محدودة في منطقة الكركرات بهدف ضمان حرية الحركة المدنية والتجارية وردع استفزازات عناصر الجبهة، التي أقدمت على إغلاق الممر الحيوي لأزيد من ثلاثة أسابيع، متسببة في أزمة إنسانية واقتصادية خانقة. وجاء التدخل بعد نداءات استغاثة أطلقها أكثر من مئتي سائق شاحنة عالقين بين الحدود المغربية والموريتانية.
وبفضل تدخلٍ سلمي مدروس، نجحت القوات المسلحة الملكية في إعادة فتح المعبر وتأمينه عبر تعزيزات ميدانية وضبط كامل للمنطقة، ما ساهم في استقرار الحركة التجارية بين المغرب وعموم غرب إفريقيا. وقد اعتُبر نجاح العملية تأكيدًا جديدًا لسيادة المملكة وحرصها على حماية مصالحها الوطنية بكل الوسائل المشروعة.
ما بعد التحرير.. من نهاية وقف النار إلى تحصين المعبر
ردّ فعل الجبهة الانفصالية لم يتأخر، إذ أعلن زعيمها إبراهيم غالي في اليوم التالي إنهاء الالتزام بوقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، والدخول في “حالة حرب”. في المقابل، تحرك المغرب لتعزيز أمن المنطقة بإقامة جدار رملي يمتد حتى الحدود الموريتانية، لمنع أي تسلل أو عرقلة مستقبلية لحركة العبور.
وأكد رئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، أن الهدف من الجدار هو “التأمين النهائي” للطريق الدولي الرابط بين المغرب وموريتانيا.
اعترافات دولية متسارعة.. من واشنطن إلى أوروبا
بعد أقل من شهر على عملية الكركرات، شهد ملف الصحراء المغربية تطورات دبلوماسية استثنائية، أبرزها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، في 10 دجنبر 2020، بسيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية. اعترافٌ اعتُبر نقطة تحول كبرى دفعت عشرات الدول إلى فتح قنصليات في العيون والداخلة، كما شجّع دولًا أخرى على مراجعة مواقفها التقليدية.
وفي مارس 2022، أعلنت إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية. وشكل القرار الإسباني بداية تحوّل أوروبي واسع، تُرجم لاحقًا بمواقف مؤيدة من دول عديدة.
وفي غشت 2022 أكد الملك محمد السادس نصره الله أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”، داعيًا شركاء المملكة إلى توضيح مواقفهم. تلت ذلك تحركات دبلوماسية عززت الإجماع الدولي خلف الطرح المغربي.
ولم يمر عام 2024 دون تسجيل محطة مفصلية، بعد أن أعلنت فرنسا رسميًا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، في خطوة تاريخية أكدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأرفقها بالتزام اقتصادي واضح لدعم تنمية الأقاليم الجنوبية.
وفي يونيو 2025، انضمت بريطانيا إلى قائمة القوى الكبرى التي تدعم الحل المغربي، معتبرة مقترح الحكم الذاتي الخيار الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.
زخم قنصليات غير مسبوق
منذ نوفمبر 2020، تسارعت وتيرة فتح القنصليات بالأقاليم الجنوبية، حيث بلغ عدد الدول التي دشنت تمثيليات دبلوماسية بالعيون والداخلة نحو ثلاثين دولة من إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية والكاريبي، من بينها الإمارات والأردن والبحرين والغابون والكوت ديفوار وزامبيا وإسواتيني، إضافة إلى دول قررت توسيع اختصاصها القنصلي ليشمل الأقاليم الجنوبية.
هذه الدينامية جسدت اعترافًا عمليًا بالسيادة المغربية، ورسخت معطى ميدانيًا جديدًا في مسار النزاع.
القرار الأممي الحاسم لسنة 2025
وبعد خمس سنوات من عملية الكركرات، اعتمد مجلس الأمن، في 31 أكتوبر 2025، قرارًا تاريخيًا دعم فيه بشكل واضح مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 باعتباره الإطار الواقعي والعملي لتسوية النزاع. وقد حظي القرار بتأييد 11 دولة من أصل 15، في حين امتنعت روسيا والصين وباكستان، بينما غابت الجزائر عن التصويت.
غياب الفيتو والدعم الواسع للقرار منحاه قوة سياسية جديدة، كرّست توجهًا دوليًا يتبنى الحل المغربي وينظر إليه باعتباره الطريق الوحيد لوضع حد لنزاع امتد لأكثر من نصف قرن.
تحرير الكركرات.. الشرارة التي بدّلت قواعد اللعبة
بعد مرور خمس سنوات، يتضح أن عملية تحرير معبر الكركرات شكبت بداية هندسة جديدة للتوازنات الإقليمية والدولية لصالح المغرب، حيث أعادت رسم مسار النزاع ودفعت نحو اعترافات دبلوماسية وقرارات أممية عززت موقع المغرب كقوة إقليمية ثابتة بسيادة غير قابلة للتشكيك.

