عبد النبي اعنيكر
أثار موقف والي جهة كلميم وادنون تجاه الأستاذ عبد الله النجامي، النائب الثاني لرئيس جماعة كلميم، استنكارًا واسعًا بعد أن تعامل معه بشكل غير لائق بسبب ارتدائه الزي الصحراوي أمس الخميس، بمناسبة تخليد الذكرى 50 الانطلاقة المسيرة الخضراء. هذا السلوك غير المفهوم فتح الباب أمام موجة من الأسئلة حول مدى إدراك المسؤول الترابي لمكانة هذا الزي ورمزيته في الثقافة المحلية والوطنية.
الزي الصحراوي ليس مظهراً عابرًا يمكن التساهل في التعاطي معه. هو امتدادٌ للذاكرة الجماعية في الصحراء المغربية وقيمة رمزية تعكس عمق الانتماء للوطن. تجاهله أو التعامل معه بنظرة دونية يلامس مباشرة الجوهر الثقافي لسكان المنطقة، ويقوّض ما تراكم من جهد الدولة في تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية الذي تبنته عبر عقود من النضال.
النجامي، المعروف بتجربته وخبرته وسلوكه المتزن في تدبير قضايا الشأن العام، لم يكن يستحق هذا التعامل الذي لا يليق بمكانته الاعتبارية. فاللحظة التي وجّه فيها الوالي تصرفه كان يُفترض أن تكون مناسبة لتجديد الاعتزاز بالهوية المشتركة، خاصة في ظل تزامنها مع احتفالات المغاربة بعيد الوحدة والذكرى 50 لانطلاقة المسيرة المسيرة الخضراء التي تمثّل أحد أكثر الرموز رسوخًا في وجدانهم، لا مناسبة لخلق حساسيات فارغة أو إثارة سلوكيات تضر بصورة الإدارة وتزرع التوجس بين المواطن ومؤسسات الدولة.
اللافت في الأمر أن هذا التصرف لا يمكن النظر إليه كحادثة بسيطة أو سوء تقدير محدود. إنما يطرح تساؤلات جادة حول وعي بعض المسؤولين بخصوصيات الأقاليم الجنوبية وطبيعة العلاقة التي يجب أن تحكم تعاملهم مع ممثلي ساكنتها. فمن غير المقبول أن يتجاهل مسؤول بهذا الوزن رمزية اللباس الصحراوي، الذي صار أكثر من واجهة ثقافية، إذ غدا علامة على ولاء حقيقي للوطن والتشبث بثوابته.
الوالي مطالب بتفسير ما جرى، ليس من باب التوتر أو التضخيم، بل احترامًا للمؤسسة التي يمثلها وللمواطنين الذين يتابعون ما يقع بقلق. إذ إن أي سلوك متسرع أو غير محسوب ينعكس سلبًا على الثقة المفترض أن تبنى بين السلطة والمجتمع، ويؤثر في المناخ العام الذي يجب أن يرتكز على الاحترام المتبادل والتقدير الواجب لكل ما يمثّل جزءًا من الهوية الوطنية.
فالتضامن مع الأستاذ عبد الله النجامي هو موقف طبيعي أمام هذا الانزلاق. فالقضية ليست مرتبطة بشخصه فقط، وإنما تتعلق بصون الكرامة الإنسانية، واحترام الخصوصية الثقافية التي تشكّل جزءًا من المشترك الوطني. كما تُعدّ دعوة مفتوحة إلى مراجعة سلوكيات قد تفتقر إلى الحس السياسي المطلوب في منطقة لها وضع اعتباري وتاريخي حساس.
إن احترام الزي الصحراوي ومكانته يجب أن يكون مبدأ ثابتًا لدى المسؤولين، باعتباره جسرًا للتواصل لا مدخلًا للتحسس أو الإقصاء. وما وقع يستحق الوقوف عنده بجدية لتفادي تكراره، وترسيخ قناعة مفادها أن الهوية الثقافية مصدر قوة للدولة لا عبء عليها.

