عبد النبي اعنيكر
عندما تتأمل رمال الصحراء وهي تتماوج تحت شمس الجنوب، تدرك أن لكل حبة منها قصة، وأن وراء كل خيمة أو بيت طيني تاريخًا ممتدًا، تحمله الثقافة الحسانية بكل تفاصيلها الدقيقة. هذه الثقافة ليست مجرد لهجة أو أنماط غنائية محلية، بل هي منظومة فكرية واجتماعية وفنية، تشكلت على امتداد قرون من الترحال والمقايضة ومقاومة قسوة الطبيعة، حتى غدت اليوم جزءً لا يتجزأ من الوجدان المغربي.
في الثقافة الحسانية، يلتقي الشِّعر بالغناء، والحكاية الشعبية بالحكمة المأثورة، والزخرفة التقليدية بمهارات الصناعات اليدوية. هنا نجد “لغنَة” الحسانية، ذلك الشعر الصحراوي العذب الذي يُقال على لسان شاعرٍ حافظٍ للذاكرة، يصف الفروسية، أو الحب العفيف، أو ملاحم الصمود ضد الغزاة. وهنا نجد طقوس الشاي الثلاثية التي تتحول من مجرد عادة إلى فلسفة في الضيافة، حيث لا يُقاس الكرم بما يُقدَّم من طعام وشراب، بل بما يُغمر به الضيف من احترام وود.
ولأنها نشأت في فضاء مفتوح، ظلت الثقافة الحسانية وفية لروح الحرية والكرامة، فهي تنقل للأجيال قيماً أصيلة مثل حفظ العهد، ونصرة الضعيف، والتضامن بين القبائل، وهي قيم أسهمت في حماية وحدة البلاد، وربطت الجنوب المغربي بعمقه الإفريقي من جهة، وبفضائه العربي والإسلامي من جهة أخرى.
ومن أبرز مظاهر هذا التراث، نجد فن الكدرة، وهو طقس غنائي نسائي يُقام في المناسبات، تصاحبه آلة طبلية مميزة، وتتحلق حوله النساء مرددات أهازيج تعكس الفرح والفخر. كما يبرز فن أزوان، وهو موسيقى تقليدية تتداخل فيها الإيقاعات والألحان لتعبر عن مشاعر الفرح أو الحنين، وتُعزف غالبًا في الأعراس واللقاءات القبلية. وهناك أيضًا الملحون الحساني، وهو شعر غنائي يجمع بين البلاغة والفصاحة والبساطة، ويُستخدم لتخليد الأحداث الكبرى أو التغني بمكارم الأخلاق. هذه الفنون، إلى جانب الأزياء التقليدية مثل “الملحفة” النسائية و”الدراعة” الرجالية، تشكل رموزًا حية للتفرد الثقافي في الصحراء.
ولعل المهرجانات الثقافية، وفي مقدمتها مهرجان طانطان المصنّف تراثًا إنسانيًا لاماديًا من قبل اليونسكو، تعد من أبرز المنصات التي تحافظ على هذا التراث وتقدمه للعالم. فهذا المهرجان بقدر ما هو احتفال سنوي، هو فضاء جامع تعرض فيه القبائل فنونها وأشعارها وحرفها التقليدية، وتستعرض من خلاله حياة الترحال، وطقوس الأعراس، وسباقات الهجن، والفروسية التقليدية. كما يتيح هذا الحدث الثقافي فرصة للتعريف بالثقافة الحسانية على الصعيد الدولي، وجذب الباحثين والسياح، وتعزيز صورة المغرب كأرض للتنوع والوحدة في آن واحد.
إن دور الثقافة الحسانية في تعزيز الهوية التاريخية والحضارية للمغرب يتجاوز الإطار المحلي إلى البعد الوطني. فهي واحدة من أعمدة التنوع الذي يميز المغرب، إذ تكمّل اللوحة الثقافية التي تضم من بينها الأمازيغية والأندلسية والموريسكية. هذا التنوع، بدل أن يكون عامل تفرقة، شكّل مصدر قوة وثراء، ورسّخ فكرة أن الهوية المغربية فسيفساء متجانسة، لا تلغي فيها الألوان بعضها البعض، بل تعزز جمال اللوحة.
غير أن الثقافة الحسانية تواجه اليوم تحديات عديدة، أهمها خطر التهميش أو التبسيط المفرط في وسائل الإعلام، والعولمة التي قد تسعى إلى إذابة الخصوصيات المحلية في قوالب موحدة. ومن هنا تأتي ضرورة وضع سياسات ثقافية جادة لحمايتها وتطويرها. فإدماج الحسانية في المناهج الدراسية، وتوثيق مروياتها الشفوية، ودعم فنونها في المسرح والموسيقى والسينما، خطوات أساسية لصون هذا التراث الحي. كما يمكن استثمارها في السياحة الثقافية، عبر إنشاء مسارات سياحية تحكي قصة الصحراء من خلال الفنون والموسيقى والأزياء التقليدية، وتحويلها إلى مورد اقتصادي وثقافي في آن واحد.
والحقيقة أن الثقافة الحسانية ليست مجرد ماضٍ يُروى، بل هي أيضًا حاضرٌ يُعاش ومستقبلٌ يمكن أن يُبنى عليها، إنها جسر يربط المغرب بعمقه الإفريقي، ويؤكد للعالم أن هذا البلد لم يكن يومًا منغلقًا، بل ظل منفتحًا على الثقافات، قادرًا على التفاعل معها دون أن يفقد أصالته.
وفي المساء الصحراوي، حين تبدأ الشمس بالانحناء نحو الأفق، وتغمر الرمال بلون ذهبي يوشك أن يتلاشى، يعلو صوت شاعر حساني في الخيمة، تتبعه ضحكات النساء ووقع أقدام الأطفال وهم يركضون بين الحطب المشتعل ورائحة الشاي المنعنع. هنا، في هذا المشهد البسيط العميق، تلخص الثقافة الحسانية معناها الحقيقي: أن تكون جزءً من أرضك حتى في غياب الجدران، وأن تحمل تاريخك في قلبك لا في الكتب وحدها، وأن تدرك أن الهوية ليست كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
إن الحسانية ليست مجرد تراث يُستحضر في المناسبات، بل روح متجددة تتنفس في كل بيت، وتعيش في تفاصيل كل يوم، وتهمس في أذن كل مغربي بأن هذه الصحراء، بما تحمله من قصائد وأغاني ولباس وحكمة، هي قلب الوطن النابض بالصمود والجمال. ومن يحفظ هذه الثقافة، إنما يحفظ مرآة المغرب التي تعكس أجمل ما فيه: تنوعه، ووفاءه لجذوره، وقدرته على صنع الوحدة من اختلاف الألوان.
وهكذا، ستبقى الحسانية، ما بقيت الرمال والنجوم، حكاية وطنٍ يكتب فصوله بمداد الشمس، وبلغة الريح، وبإصرار الإنسان الصحراوي على أن يكون للتاريخ ذاكرة، وللصحراء صوت، وللمغرب قلب واحد ينبض بكل ألوانه.

