حين تتحول السياسة إلى مزرعة شخصية ويتحول المواطن إلى خادم في خطاب حزب الأحرار
في مشهد سياسي لا يخلو من العبث والسخرية السوداء، أطلق أحد منتخبي حزب التجمع الوطني للأحرار بجماعة تيوغزة، جهة كلميم وادنون، تصريحاً غير مسبوق في وقاحته، حين قال حرفياً: “لي ما بغاكش السي عزيز، ازدح راسو مع الحيط”.
وإن كنا نحتاج إلى مقدمة لهذا الكلام، فإنها لن تكون غير التساؤل التالي: هل ما زال بيننا من يعتقد أن السياسة في المغرب ما تزال تُمارس بعقلانية ومسؤولية، حين يصبح الولاء للزعيم أهم من الولاء للوطن؟!
هذا التصريح، الذي لا يحتاج إلى تحليل عميق لفهم خلفيته، يعبر بوضوح عن نزعة استعلاء سياسي خطير، بلغ مستوى التهديد المباشر للمواطنين الرافضين لسياسات الحزب أو الغاضبين من تدبيره للشأن العام. وكأن ساكنة كلميم وادنون موظفون في ضيعة يملكها “السي عزيز”، لا حق لهم في الاعتراض أو الانتقاد أو حتى الاختلاف في الرأي!
بين البهرجة والبلادة السياسية
الخطاب الذي أصبح يصدر عن عدد من منتخبي حزب التجمع الوطني للأحرار لم يعد فقط سطحياً، بل صار يهدد أسس الفعل السياسي الجاد والواعي.
تصريحات مثل تلك التي صدرت عن نائبة الحزب في جماعة أكادير، والتي خاطبت منتقدي أخنوش بقولها: “اللي ما عجبوش الحال، يرحل من المدينة!”، تؤكد أننا أمام فئة من المنتخبين لا تؤمن بالديمقراطية، بل تحتقرها، وتعتبر المناصب ملكية خاصة لا تقبل الطعن أو المساءلة.
كيف يمكن تفسير مثل هذه التصريحات إلا بوصفها سلوكًا استبداديًا ينضح بالاحتقار للمواطن؟
وكيف يمكن أن نثق في من يعتبر مدن هذا الوطن عقارات خاصة، يحق له طرد من لا يعجبه من المواطنين وكأنهم متطفلون على “ملكه” السياسي؟
استغلال العمال والفقراء في خدمة الديكور الحزبي
ليس غريبًا أن نرى حزب “الحمامة” يتفنن في تسويق صورة وردية عن لقاءاته “التواصلية”، لكن الأغرب أن هذه اللقاءات كثيرًا ما يتم تأثيثها بوجوه لا علاقة لها بالسياسة ولا بالاهتمام بالشأن العام، وإنما يتم استقدامها بشكل جماعي من وحدات صناعية — كما حصل في الداخلة، والعيون، وكلميم — حيث يتم استغلال عاملات بسيطات لحضور هذه المناسبات “الحزبية”، في مشهد مهين لكرامتهن، وفي كثير من الأحيان خلال أوقات العمل الرسمي.
فأي تواصل سياسي هذا الذي يُبنى على تعبئة اصطناعية مدفوعة الأجر؟
أين هي الإرادة الشعبية التي يزعم الحزب تمثيلها؟
وإذا كانت لقاءاتكم تتطلب “استيراد جمهور”، فماذا تبقى لكم من شرعية سياسية في الميدان؟
جهة مهمشة ومنهكة… و”قادة” منشغلون بالتصفيق
قد يتساءل مواطن من كلميم أو طانطان أو سيدي إفني: أين نحن من كل هذه “الإنجازات” التي يتحدث عنها الحزب؟
نسبة البطالة تجاوزت 31٪، البنية التحتية الصحية منعدمة، المستشفيات مهترئة، الشباب غارق في البطالة والتهريب والهجرة.
وفي المقابل، لا يزال قادة الحزب يملأون الفضاء الإعلامي بخطابات فارغة، ويتحدثون عن “مسارات” لا يعرفها إلا من صمم ديكورها.
إن الجهة التي ترأس مجلسها السيدة امباركة بوعيدة منذ سنوات، لم تحظَ حتى اليوم بمستشفى جهوي يليق بسكانها، ولا بخطة حقيقية لمواجهة التفاوتات الاجتماعية أو للنهوض بالاقتصاد المحلي، بل ما تم تسجيله هو مشاريع موسمية، اتفاقيات في الظل، وظهور إعلامي متكرر دون أثر واقعي.
وما يزيد الطين بلة أن رئيسة الجهة، حسب العديد من الشهادات، لا تقيم أصلاً في كلميم، ولا تتفاعل مع الساكنة، بل يُبحث عنها في الرباط أكثر من مقر الجهة، في مؤشر صارخ على انفصال من يُفترض أنهم يمثّلون المواطنين عن همومهم الحقيقية.
سياسة التوريث وإهانة الذكاء الجماعي
منطق التوريث السياسي والعائلي صار العنوان الأبرز لمشهد حزبي فقد القدرة على التجدد.
حزب التجمع الوطني للأحرار، بدل أن يكون فضاءً سياسياً لإنتاج الحلول ومناقشة السياسات العمومية، تحول إلى واجهة لعائلات سياسية تتحكم في خيوط المجالس والصفقات والتمويلات، دون مساءلة ولا رقيب.
أين هي الكفاءات المحلية؟ أين هي الوجوه الشابة التي تُمكّن الجهة من تجديد دمائها السياسية؟
لماذا تظل المناصب محجوزة لنفس الوجوه، ونفس الخطابات، ونفس الإخفاقات؟
هل كلميم وادنون منطقة معزولة عن باقي الوطن إلى هذا الحد؟
المواطن ليس خادماً لأحد
أكبر كارثة وقع فيها حزب الأحرار هي اعتقاده أن المواطن تابع لزعيم الحزب، وليس العكس. السياسة تُبنى على خدمة الناس، وليس على ترويضهم وتخويفهم.
وإذا كان بعض المنتخبين يعتبرون أن من لا يوافقهم يجب أن “يزدح راسو مع الحيط”، فعليهم أن يعلموا أن هذا الحائط هو إرادة شعبية ستتهدم عليه أصنام الاستعلاء والفساد.
كلميم وادنون، كما باقي جهات الوطن، لا تحتاج إلى مهرجانات خطابية، ولا إلى عروض باهتة تُبث على “فيسبوك لايف”، بل تحتاج إلى سياسة عمومية جادة، وصادقة، تعيد للمواطن احترامه، وللشباب أملهم، وللأحزاب معناها الحقيقي.
من يزرع الاستهتار… سيحصد الغضب
في زمن الوعي والاتصال المفتوح، لم يعد المواطن مغفلاً، ولا الناخب مجرد رقم، الناس ترى، وتفهم، وتراقب. وإذا كان البعض يراهن على تعبئة مصطنعة أو صفقات موسمية، فإن حساب الشعوب لا يُقاس بمقاييس الصناديق فقط، بل بتراكمات الذاكرة.
وذاكرة أبناء كلميم وادنون لم تعد تحتمل المزيد من الإهانة..

