في خضم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عصفت بالعراق والمنطقة، ينهض كتاب “الفن والقمامة” للفنان والمصمم والباحث الأكاديمي العراقي الدكتور بلاسم محمد جسام كوثيقة فكرية وفنية صادمة تقلب المفاهيم المستقرة حول الجمال والنقاء والنفايات، وتعيد مساءلة الوظيفة الجوهرية للفن، وحدود ما يمكن أن نعتبره “عملاً فنياً”.
ينتمي هذا الكتاب إلى فئة النصوص النظرية والفنية التي تتخطى الإطار الأكاديمي التقليدي لتتداخل مع مشاغل الواقع ومفارقات الحياة اليومية، بل وتنقب في المسكوت عنه داخل المخيلة الجمعية والممارسات الفنية المعاصرة. فالفن، كما يطرحه بلاسم محمد، لا يمكن أن يكون منفصلاً عن القبح، ولا عن النفاية بوصفها تمثيلاً رمزياً ومادياً لحالة الإنسان في زمن الاضطراب.

المؤلف: سيرة ذاتية ومكانة فنية
د. بلاسم محمد جسام Balasim Mohammed 1954-2021 أحد أبرز وجوه الفن العراقي المعاصر، فنان وأكاديمي وباحث، وُلِد في مدينة الكوفة بالعراق، وعُرف بأعماله التي تمزج بين التشكيل والتصميم والفكر والنقد، متجاوزًا الشكل إلى الفلسفة التي تقف خلفه. درّس الفن لعقود وشارك في معارض داخل العراق وخارجه، وألّف عشرات الكتب والبحوث والمقالات تُعد مراجع مهمة في الحقل البصري العربي، من بينها:
-“الفن والحداثة”
-“النقد الفني: بين النظرية والتطبيق”
وكتابه الأخير المثير للفكر والنقد: “الفن والقمامة”.
ما هو “الفن والقمامة”؟
سيميائية العنوان وحده تحمل صدمة أولى: “الفن + القمامة” ليس مجرد استعارة بل هو توصيف مقصود لنمط فني ظهر نتيجة انهيارات اجتماعية وسياسية وثقافية. في هذا الكتاب، يتتبع المؤلف تجليات الفن المرتبط بالهامشي، بالنفاية، بما يُقصى من الحياة اليومية، ليعيد إدماجه في سياق جمالي وفلسفي يفتح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.
فن القمامة -وفقاً لبلاسم- هو ممارسة احتجاجية، تستعين بالمادة المهملة (أدوات مستهلكة، نفايات، قطع تالفة…) لا لتجميلها، بل لكشف تناقضات الحضارة المعاصرة، وتعرية الوجه القبيح للرأسمالية، للحرب، للفساد، للتخمة المادية والانهيار الإنساني.

القمامة كأداة فنية ونقدية
يناقش الكتاب تحوّل “القمامة” من مجرد بقايا إلى “نص بصري” يستفز المتلقي ويهزّ ذائقته، من خلال استحضار أعمال لفنانين عالميين وعراقيين تعاملوا مع النفاية بوصفها خامة حية تعبر عن السقوط، الزوال، أو حتى المقاومة. فهو لا يقتصر على تحليل الأعمال التي تستخدم القمامة، بل يسائل البُنى الثقافية التي تجعلنا نحتقرها، ويضع الفن في مواجهة جذرية مع نفسه.
من أبرز الموضوعات التي يعالجها الكتاب:
-العلاقة بين الفن والفضلات في المدن الكبرى.
-أثر الحروب في تحويل الواقع إلى “قمامة بصرية”.
-فن ما بعد الحرب في العراق: شهادات رمزية من ركام الهدم.
-القمامة في الفن الغربي الحديث (بيكاسو، دوشامب، كلي، وغيرهم).
-“اللا قيمة” كمفهوم جمالي جديد في فنون القرن الواحد والعشرين.
قراءة نقدية: من الحداثة إلى ما بعد الجمال

يمثل هذا الكتاب انزياحاً عما يُعرف بالفن “الراقي” أو “المؤنسن”، إذ يدعو إلى تجاوز حدود الأناقة البصرية والعودة إلى الواقع كما هو، مفككاً بجرأة مفهوم “الجميل” التقليدي. فالفن بحسب الدكتور بلاسم لم يعد ترفًا، بل صار مواجهة، ومادة الاشتغال فيه لم تعد تقتصر على القماش واللون، بل صارت تمتد إلى المهمل والمنسي والمنبوذ.
إنه كتاب يصدم ثم يوقظ. يحطّم النمطية، وينسف القداسة حول “العمل الفني” بوصفه معزولاً عن الحياة اليومية، بل ويجرّ الفن إلى قعر الواقع حيث تتراكم القمامة ويولد منها السؤال الوجودي الأعمق: ما جدوى الجمال إذا لم يفضح القبح؟
خاتمة: الفن الذي نرميه
في كتاب “الفن القمامة”، يدعونا د. بلاسم إلى النظر في ما نرميه… إلى الإصغاء لصوت المهمل، إلى إعادة تعريف الفن لا بوصفه سلعة أو تحفة، بل باعتباره مرآة للزمن، وشهادة على انهياراته. الفن هنا لم يعد تزيينيًا أو تعليميًا، بل أصبح أداة للمواجهة والفضح، وساحة للمعنى الجديد الذي ينشأ من قلب الخراب.
إنه كتاب لكل من يملك الجرأة ليرى الحقيقة دون مساحيق، ويعيد التفكير في الذوق والجمال والرسالة… من زاوية “ما يُرمى” لا مما يُحفظ في خزائن العرض.
د. عصام عسيري 💐
الصور للكتاب والمؤلف، واللوحات أكريلك على كانفاس 1/1م. #مقتنيات_خاصة

