خريبكة: سعيد العيدي محرر صحفي – الصحراء نيوز
صدر، مؤخرا، عن منشورات مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث كتاب توثيقي جديد لعبد العزيز ثلاث يحمل عنوان “خريبكة قلعة السينما الإفريقية”، يقع في 466 صفحة، ويعالج مسيرة ربع قرن من الصمود الثقافي عبر توثيق تفاصيل 25 دورة للمهرجان امتدت تاريخيا بين عامي 1977 و2025.
وينقسم محتوى هذا المؤلف المحكم إلى بابين موزعين على أربعة محاور، بالإضافة إلى مقدمة ومدخل عام، حيث يفتتح مقدمته بصرخة ثقافية للمؤرخ أمادو هامبا طي با تفيد بأنه في إفريقيا عندما يرحل رجل مسن فإن ذلك بمثابة احتراق مكتبة بكاملها، وهو المبدأ الذي انطلق منه العمل لحماية الذاكرة السينمائية الإفريقية من الضياع والنسيان.
ويتحدث الكتاب عن الجذور الأولى للفكرة التي تعود إلى سنة 1994، حينما كان الحدث يعرف بـ “الملتقى السينمائي” واستمر تحت هذا التوصيف لست دورات متتالية قبل إعادة تسميته بالمهرجان، ويكشف المؤلف فيه كيف واظب على توثيق خلاصات الدورات في الإعلام المغربي ومذكراته الشخصية لإنقاذ الفكرة من الضياع.
ويعالج المدخل العام للكتاب تأصيلا تاريخانيا للمهرجانات، بوصفها ظاهرة حضارية ابتدعها الإنسان وطورها تعبيرا عن أفكاره وطموحاته المدنية، ويتطرق إلى ميلاد المهرجانات السينمائية في عشرينيات القرن الماضي في سياق يجمع بين الطموح الثوري والاحتفال الفني، ويربطها بظهور “السينما الثالثية” في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا كمناهضة للاستعمار والتبعية الاقتصادية والثقافية وللدفاع عن استقلال الشعوب.
ويتناول الكتاب موقع مهرجان خريبكة باعتباره قاطرة للقطاع السينمائي المغربي الذي انطلق من طنجة عام 1968، ويتحدث عن قدرة هذا المهرجان على مقاومة الانصهار طوال 48 سنة عايش خلالها تحولات كبرى كالمد التحرري واليساري، وسياسة التقويم الهيكلي بالمغرب، ونهاية الحرب الباردة، والانقلابات الإفريقية، وثورات الربيع العربي، وجائحة كوفيد-19، وصولا إلى تحول صناديق الاقتراع إلى فيصل جنوب الصحراء.
ويطرح المؤلف بناء على هذه المسيرة تساؤلات وجودية حول مدى مساهمة المهرجان في تنمية السينما الإفريقية، وحول رصد وتتبع توصياته، ومدى انخراط الدولة والمجالس المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا في تقديم الدعم المالي والخدماتي لتطوير أدائه.
ويعرض المؤلف بالأرقام حصيلة وظيفية وإشعاعية هامة، حيث يتحدث عن عرض 1818 شريطا سينمائيا إفريقيا و110 أشرطة مغربية، واستقبال وفود من 38 دولة إفريقية إلى جانب صناع سينما من مختلف قارات العالم الأربع، كما يستعرض عموديا كيف شكل المهرجان نقطة انطلاق ومشتلا لتميز مخرجين مغاربة نالوا فيه أولى جوائزهم، مثل محمد مفتكر، فوزي بنسعيدي، نبيل عيوش، هشام العسري، حكيم بلعباس، سلمى بركاش، ومحمد زين الدين وغيرهم.
ويتحدث كذلك عن تفرد خريبكة طوال 36 سنة كاملة بعرض الأفلام الإفريقية قبل إطلاق صندوق دعم المهرجانات، وكيف ألهمت تظاهرات وطنية أخرى لدمج البعد الإفريقي مثل ملتقى تطوان عام 1995 والمهرجان الوطني للسينما عام 1998، بل وكيف كانت القناة الثانية تشتري حقوق بث هذه الأفلام من مخرجين تعرفت عليهم بخريبكة.
ويعالج الكتاب أيضا أبعاد الاستدامة عبر التكوين السينمائي الذي خلق فرص تشغيل ومقاولات ثقافية محليا، ونشط السياحة الثقافية عبر رفع إشغال الفنادق والمطاعم ومداخيل المدينة الضريبية، لكنه في المقابل يصطدم بواقع أن المهرجان ولد فقيرا ويستمر فقيرا بلا استقلال مالي معتمدا فقط على تضحيات عشاق السينما، مما يهدد استمراريته أمام جيل رقمي جديد لم يعرف شريط “السوليليد“.
ويتحدث الكتاب بصراحة عن عناصر الإخفاق وفي مقدمتها سيطرة اللغة الأجنبية الفرنسية التي وصفها بلعنة تطارد المهرجان منذ دورته الأولى وتكرس التبعية الإيديولوجية وتعرقل النقاش لغياب الترجمة من العربية إلى الفرنسية.
ويخلص عبد العزيز ثلاث في الختام إلى وضع سبع توصيات جوهرية للمستقبل، تشمل تثمين 50 سنة كإرث ثقافي مجتمعي، والعبور من الإطار الجمعوي إلى المؤسساتي، وتأسيس خزانة سينمائية متعددة الوسائط بمقر متعدد الاختصاصات، وضمان دعم عمومي مباشر من الخزينة العامة للمملكة، والحصول على مطابقة للمواصفات الدولية، وتدارك غياب مجسم يميز المدينة سينمائيا، وصولا إلى المطالبة بالحصول على تصنيف التراث العالمي من منظمة اليونسكو.


