صباح اليوم، تحولت شوارع العاصمة المغربية الرباط إلى بحر هائج من الأعلام الفلسطينية والمغربية، حيث تدفق آلاف المواطنين من كل ربوع المملكة للمشاركة في مسيرة وطنية شعبية حاشدة، عبرت عن تضامن لا يلين مع الشعب الفلسطيني.
هذه المسيرة، التي جاءت استكمالاً لمسيرة مليونية شهدها المغرب الأسبوع الماضي، لم تكن مجرد حدث عابر، بل شهادة حية على عمق الارتباط الروحي والإنساني بين الشعبين، مصحوبة بمطالب واضحة بإنهاء التطبيع مع الكيان الصهيوني.
ومن بين الأصوات التي صدحت في هذا الجمع، برز صوت عيد الحميد العلمي، خبير الأمن السيبراني، الذي ألقى تصريحًا حماسيًا لموقع الجريدة الأولى “الصحراء نيوز” حمل في طياته خلاصة مشاعر الحشود: “المغاربة والفلسطينيون شعب واحد، جسد واحد، ألم واحد.”
ورغم البرد القارس الذي لفّ الرباط في هذا الصباح الشتوي، لم يثن ذلك المتظاهرين عن التدفق من مختلف المدن والقرى، من شرق المغرب إلى غربه، ومن الصحراء المغربية جنوبا إلى الشمال، ليؤكدوا حضورهم في هذا الموعد الوطني.
العلمي، الذي شارك بقلب ينبض بحب فلسطين، تحدث عن الأخبار الطيبة التي تساقطت على المغرب كما المطر، لكنه لم يخفِ الألم الذي يعتصر القلوب جراء ما يتعرض له الفلسطينيون من قصف ودمار. كلماته جاءت مزيجًا من الفخر والحزن، حيث أشار إلى أن المغرب، بتاريخه العريق، يرفض القمع، سواء في قضية الصحراء المغربية أو في دعمه لفلسطين التي “تنزف تحت وطأة الصواريخ”.
وفي سياق حديثه، عكس صوت الشارع المغربي الذي يرى أن التطبيع مع الكيان الصهيوني يتناقض مع هذا الموقف المبدئي، داعيًا إلى قطع كل العلاقات التي تكرس الظلم على الشعب الفلسطيني.
استحضر العلمي، بكل اعتزاز، الإرث التاريخي للمغرب، مشيرًا إلى دوره في معركة حطين الخالدة، حين كان الجيش المغربي جزءًا من قوات صلاح الدين الأيوبي التي ساهمت في تحرير بيت المقدس.
هذا التاريخ، كما قال خبير الامن السيبراني، ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو بوصلة توجه المغاربة اليوم للوقوف مع الحق والعدالة، بعيدًا عن أي تسوية تخون دماء الفلسطينيين.
وفي إشارة رمزية إلى مجاله المهني، أثار الخبير في الأمن السيبراني قضية “أخت أبو سعد”، في تلميح إلى مبادرات تكنولوجية عززت الوعي بالقضية الفلسطينية، مؤكدًا أن التكنولوجيا يمكن أن تكون سلاحًا في خدمة الحق. لكنه سرعان ما عاد إلى جوهر الرسالة التي حملتها المسيرة: الوحدة العميقة التي تجمع المغاربة، سواء من الصحراء أو من غيرها، مع إخوانهم في فلسطين، تحت راية الإسلام والإيمان برسالة الله ورسوله.
ولم تكن المسيرة مجرد تجمع للهتاف أو رفع اللافتات، بل كانت صرخة مدوية ضد الظلم وضد التطبيع الذي يراه الكثيرون طعنة في ظهر القضية. المتظاهرون، الذين جاؤوا من مختلف الأعمار والفئات، حملوا شعارات تندد بالعدوان على غزة، وطالبوا بوقف فوري للقصف وحماية المدنيين، مع هتافات صريحة ترفض استمرار أي علاقات مع الكيان الصهيوني. أصواتهم اختلطت بالأناشيد الوطنية والأدعية التي ارتفعت من أجل نصرة فلسطين، فيما كانت الوجوه تعكس مزيجًا من الإصرار والأمل. شيوخ كبار وشباب في ريعان العمر، نساء وأطفال، كلهم كانوا هناك، يرددون بصوت واحد: “نحن أمة واحدة، شعب واحد.” هذه الوحدة تجسدت في تنوع الحضور، حيث لم تكن المسيرة حكرًا على سكان الرباط، بل شهدت مشاركة وفود من مدن بعيدة، تحدت المسافات والطقس لتكون جزءًا من هذا الصوت الجماعي.
تصريح العلمي، كان بمثابة مرآة تعكس نبض الشارع المغربي، فهي ليست مجرد كلمات، بل تعبير عن إرادة شعب لا يكتفي بالتضامن اللفظي، بل يجسده في الحضور والفعل، ويطالب بقرارات حاسمة تنسجم مع موقفه التاريخي.
المسيرة نفسها، بما حملته من هتافات وأعلام فلسطينية، لم تكن موجهة فقط إلى العالم لتذكيره بمعاناة غزة، بل كانت رسالة داخلية أيضًا، تؤكد أن المغرب، بشعبه وتاريخه، يرفض أن يكون جزءًا من أي ترتيب يشرعن وجود المحتل.
ومع انتهاء المسيرة، وبينما كانت الحشود تغادر شوارع الرباط، بقيت كلمات العلمي تتردد كصدى لالتزام راسخ: فلسطين ليست قضية بعيدة، بل هي جزء من هوية المغاربة، وألمها ألم الجميع، ونصرتها تتطلب موقفًا واضحًا يبدأ بإنهاء التطبيع.

