هناك خط رفيع جداً في السياسة بين “الشعبية” و”الاستعراض”، خط دقيق لطالما خلطت بينه النخب التقليدية في وادي الذهب.
المشهد الأخير لـ تحالف الخطاط ينجا ومحمد الأمين حرمة الله ليس مجرد تنسيق سياسي عابر؛ إنه مشهد درامي يختزل لحظة الانكسار التاريخي لنموذج “البارونات الكلاسيكيين” الذين اعتقدوا يوماً أن امتلاك المنصات والخيام الحاشدة يعني بالضرورة امتلاك وعي ومصائر الناخبين.
لقد أثبتت الصناديق الأخيرة حقيقة عارية: الخطاط وحرمة الله سُحِقا انتخابياً لأن المشهد السياسي في الجنوب يمر بمرحلة “إعادة التشكل الجيلي للمشهد السياسي”. فالجماهير التي كانت تؤثث المؤتمرات وتصفق للشعارات الرنانة، كانت في الغالب تمارس نوعاً من “المجاملة الاجتماعية” أو الاستثمار النفعي المؤقت؛ لكنها بمجرد أن أغلقت عليها ستائر معزل التصويت، مارست فعل “العقاب السياسي” بدم بارد.
هذا التناقض الصارخ بين حشود المؤتمرات الخطابية وهزيمة الصناديق المخزية، يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع وعجزاً بنيوياً عن فهم مزاج الشارع الجديد. الشباب في المنطقة لم يعودوا يكتفون بالفتات أو بالوعود القبلية المعلبة؛ لقد سئموا “الظواهر الصوتية” وباتوا يبحثون عن نجاعة تكنوقراطية، وعن وجوه لا تحمل أوزار الماضي.
محاولة الرجلين اليوم لرتق الشروخ وجمع الشتات من خلال تحالفهما الجديد، تبدو في عمقها أشبه بـ “تحالف الغرقى”. فالمنطق الفيزيائي والسياسي يقول إن ربط جسدين يغرقان ببعضهما لا يصنع طوق نجاة، بل يسرّع عملية الهبوط إلى القاع. التحالف هنا لا ينطلق من رؤية فكرية أو برنامج تنموي بديل، بل هو “زواج إكراه” تمليه غريزة البقاء السياسي ومحاولة يائسة للاحتفاظ بورقة تفاوضية أمام مراكز القرار في الرباط.
هذا التكتل الفوقي قد يكون المسمار الأخير في نعش حقبتهما السياسية. فالشارع يرى فيه مناورة “براغماتية مكشوفة” تخلو من أي نقد ذاتي أو اعتراف بالخطأ. وحين تفقد النخبة القدرة على الاعتذار والتجديد، فإنها تفقد بالتبعية صلاحيتها الأخلاقية والسياسية.الصحراء اليوم لم تعد تلك الرقعة التي تُقاد بالولاءات الجاهزة؛ لقد دخلت عصر “عقلنة الأصوات”.
وتحالف الخطاط وحرمة الله، بدلاً من أن يكون خطوة للنهوض، يبدو أنه سيزيد من إغراقهما في مستنقع العزلة، معلناً نهاية مرحلة وبداية خريف الأوثان الانتخابية التي اعتقدت يوماً أنها غير قابلة للكسر.
