بقلم محمد مبارك الوحداني “كلميم (الجماعة) تصوت ضد قلعتها التاريخية: عندما ترفض العاصمة 30 سنة من الهندسة المسبقة *
تحليل سوسيو-مجالي لنتائج جماعة كلميم في تشريعيات 23 شتنبر 2026
تقدم نتائج جماعة كلميم لوحدها، عاصمة جهة كلميم واد نون وعاصمة الإقليم، في تشريعيات 23 شتنبر 2026 وثيقة قطيعة تاريخية. فالمدينة التي ظلت لعقود خارج سيطرة حزب التجمع الوطني للأحرار ، صوتت هذه المرة ضد المنطق الذي فرض عليها في 2021 و ما قبلها .
المعطيات الرسمية لجماعة كلميم لوحدها:
1. تحالف اليسار: 3069 صوتا
2. العدالة والتنمية: 2696 صوتا
3. الاستقلال: 1232 صوتا
4. الحركة الشعبية: 1089 صوتا
5. الأصالة والمعاصرة: 1018 صوتا
6. التجمع الوطني للأحرار: 1004 أصوات
7. التقدم والاشتراكية: 948 صوتا
1/ تصحيح تاريخي حاسم: المدينة شيء، والجهة شيء آخر
يجب التمييز بين مستويين طالما تم الخلط بينهما.
*أولا: جماعة كلميم (المدينة).* هذه الجماعة لم يحكمها التجمع الوطني للأحرار أبدا قبل 2021. كانت بلدية كلميم معقلا تاريخيا في العهد الجديد للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في عهد عبد الوهاب بلفقيه، وقبله لأحزاب الحركة الوطنية. في 2021 فقط، استطاع الأحرار حكم مدينة كلميم لأول مرة، وفق تحالفات موجهة ودعم إداري مكشوف، وليس عبر أغلبية حزبية صلبة.
*ثانيا: مجلس الجهة.* هذا هو بيت القصيد. مجلس جهة كلميم، سواء في صيغته القديمة كلميم السمارة منذ 1997 أو في صيغته الجديدة كلميم وادنون منذ 2015، لم يخرج أبدا من يد حزب واحد وقبيلة واحدة وعائلة واحدة.
العائلة هي عائلة بوعيدة، والقبيلة هي آيت لحسن، والحزب هو التجمع الوطني للأحرار. عمر بوعيدة رئيسا لجهة كلميم السمارة لثلاث ولايات متتالية ابتداء من 1997 كقيادي في الأحرار. ثم عبد الرحيم بن بوعيدة 2015-2019 أحرار، ثم مباركة بوعيدة منذ 2019 إلى اليوم أحرار، وهي أول وآخر رئيسة جهة في المغرب تحكم باسم نفس العائلة ونفس الحزب لأكثر من ربع قرن.
والمرة الوحيدة التي خرجت فيها الرئاسة من عائلة بوعيدة، ظلت في نفس القبيلة: آيت لحسن. ففي 17 شتنبر 2012، تم تنصيب الحبيب أنازوم رئيسا لجهة كلميم السمارة، وهو من نفس قبيلة آيت لحسن، لكن باسم الاتحاد الاشتراكي، و كان ورقة كمرشح للمغدور الراحل عبد الوهاب بلفقيه المكلف بالمهام الانتخابية من طرف جهات نافذة !
وهذا يطرح السؤال الجوهري الذي يجب أن يواجهه صانع القرار الانتخابي الرسمي: لماذا ظل اختيار رئاسة الجهة لثلاثين سنة محصورا في قبيلة واحدة هي آيت لحسن وعائلة واحدة هي بوعيدة، في حين أن هذه العائلة لم تحصل في أي مرحلة على أغلبية حزبية حقيقية داخل كلميم المدينة نفسها، حيث حصلت في 2026 على 1004 أصوات فقط في المرتبة السادسة؟
ثالثا / رأس المال القبلي ضد الهابيتوس الحضري
بيير بورديو يفسر هذا التناقض بمفهوم رأس المال الرمزي. الدولة المركزية، عبر الولاة ووزارة الداخلية، تحتاج إلى وسيط قبلي مستقر في منطقة حساسة ككلميم وادنون، البوابة بين الصحراء وسوس. قبيلة آيت لحسن وعائلة بوعيدة تملك هذا الرأس المال: المال، العقار، شركات المحروقات، والقدرة على لعب دور الوسيط الذي توظف فيه الالة الانتخابية الباعمرانية خصوصا لضبط المجال القروي الممتد على 46 ألف كلم مربع و53 جماعة ! و حينما تنطع على التوجيهات المعلومة منسق هذه الالة كان مصيره السحق …..
هذا الرأس المال يشتغل في الجهة، لكنه الان لا يشتغل في المدينة. كلميم المدينة التي تضم 203 آلاف نسمة أنتجت هابيتوسا جديدا: هابيتوس الطالب المعطل وخريج الكلية متعددة التخصصات والأستاذ المتعاقد. هذا الهابيتوس لا يحترم الوساطة القبلية، بل يطالب بخدمات الدولة .
لذلك صوتت المدينة لتحالف اليسار 3069 والعدالة والتنمية 2696. معا 5765 صوتا احتجاجيا ضد 2022 صوتا فقط للأحرار والبام، حزبي الهندسة القبلية.
رابعا / الحداثة السائلة تذيب الحزب الصلب
المفكر باومان يرى أن الأحزاب الصلبة المبنية على القبيلة تذوب في المدن السائلة.
نموذج العائلة المخزنية@ لآل بوعيدة هو نموذج صلب: 30 سنة من نفس العائلة ونفس القبيلة. لكن الان كلميم المدينة أصبحت سائلة: مجموعات فيسبوك “كلميم أولا”، تيك توك المعطلين، تنسيقيات الأساتذة….الأحرار يملك الجماعات القروية الصلبة، لكنه حصل على 1004 أصوات فقط في المدينة السائلة.
خامسا /- المركز الذي يصبح هامشا
وفق للمنظر والرشتاين يرى أن المنظومة تنهار عندما يتحول مركزها إلى هامش. جهة كلميم وادنون بنيت كمنظومة يكون مركزها هو الريف حيث الريع، وهامشها هو المدينة. اليوم انقلبت المنظومة: المدينة كعقدة تربط الصحراء بسوس أصبحت هي المركز الرمزي للاحتجاج، والريف أصبح هامشا انتخابيا مكلفا.
الخاتمة: جيش المقاطعة – الخزان المنسي
هذه الأرقام تخفي الرقم الأكبر. وطنيا، نسبة المشاركة في تشريعيات 23 شتنبر 2026 بلغت 38.08% فقط، مقابل 50.86% في 2021. في جهة كلميم وادنون، المشاركة بلغت 53.48% متراجعة بـ 10 نقاط عن 63.76% في 2021، أي أن نسبة المقاطعة في الجهة هي 46.52%.
لكن هذه نسبة الجهة ككل بما فيها الجماعات القروية حيث التعبئة القبلية ترفع المشاركة إلى 80%. أما في جماعة كلميم لوحدها، كعاصمة حضرية، فالمقاطعة تتجاوز 65%، أي أن ثلثي سكان المدينة لم يصوتوا.
هذا هو الصوت الثالث. جيش من الشباب 18-24 سنة نسبة تسجيله وطنيا 4% فقط، قرر أن صندوقا تتحكم فيه نفس القبيلة ونفس العائلة و نفس الحزب لثلاثين سنة دون أغلبية حزبية حقيقية، لا يمثله.
بلغة بورديو، هذا عنف رمزي مقلوب. بلغة باومان، هو جيل سائل يرفض أحزابا صلبة. بلغة والرشتاين، هو الهامش الذي طرده المركز الريعي.
هذا الجيش الصامت ليس محايدا. هو خزان انتخابي ضمني للاحتجاج، أقرب موضوعيا إلى 5765 صوتا احتجاجيا لليسار والعدالة والتنمية، منه إلى 1004 أصوات للأحرار.
في 2027، لن تكون المعركة على رئاسة مدينة كلميم و مدن افني و طانطان و رئاسة الجهة بين الأحرار والبام، بل بين نموذجين: نموذج استمر لـ 30 سنة يقوم على اختيار رسمي لحزب الأحرار و تيار عائلي من قبيلة آيت لحسن لضبط المجال رغم عدم حصولها على أغلبية حزبية في العاصمة، ونموذج جديد قادم من المدينة يجمع المصوتين الاحتجاجيين والمقاطعين.
و من طرد اليوم من الإحصاء، سيعود غدا من الشارع. ومن حكم الجهة ثلاثين سنة دون أن يحكم مدينتها، لن يستطيع أن يحكمها بعد اليوم بنفس الأدوات.
