العيرج ابراهيم: صحراء نيوز
شهدت الساحة السياسية في جماعاتنا الترابية ومجالسنا المحلية خلال السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة؛ تمثلت في صعود وجوه ثقافية وفكرية بارزة إلى منصات التدبير العمومي كممثلين للشعب. كانت الآمال معقودة على أن يشكل هؤلاء “ضمير المجتمع” داخل قبة المجالس، وأن يضخوا دماءً جديدة في عروق العمل السياسي المحلي بفكرهم المستنير وأفكارهم التنويرية. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن المعرفة، لينتهي المطاف بالكثير منهم في دوامة من الاغتراب الفكري والتواري القسري.
لم يكن ولوج العديد من المثقفين لمعترك الانتخابات المحلية نابعاً -في كثير من الأحيان- من تنظيم حزبي حقيقي أو قناعة أيديولوجية راسخة ببرامج الهيئات التي ترشحوا باسمها. بل فرضت كواليس اللعبة السياسية وقوانينها الانتخابية على “أهل القلم والفكر” الارتماء في أحضان أحزاب لا تربطهم بها صلة، لا من قريب ولا من بعيد، متخذين منها مجرد “غطاء سياسي” للوصول إلى مراكز القرار وخدمة الصالح العام.
بالمقابل، وجدت الأحزاب في هؤلاء المثقفين “مساحيق تجميل” تزيّن بها لوائحها الانتخابية أمام الرأي العام، وتستقطب بهم أصوات النخبة والطبقة المتوسطة.
سرعان ما اصطدمت طموحات المثقف بصخرة الواقع الحزبي المرير. فبمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وتشكيل المجالس، وجد المثقف نفسه مجبراً على “الانصياع” للإنضباط الحزبي، والتصويت لصالح برامج وقرارات قد تتعارض جملة وتفصيلاً مع ما آمن به طوال حياته من مبادئ وقيم وتوجهات فكرية.
هذا التنازع الحاد بين سلطة الفكر وإملاءات الحزب الخاضعة للمصالح الضيقة، جعل المثقف يفقد بوصلته وتوازنه. فلم يعد قادراً على فرض رؤيته التنويرية، ولا هو استطاع مجاراة “السياسوية” البراغماتية السائدة في محيطه الجديد.
” أصعب أنواع الغربة هي تلك التي يعيشها المفكر وسط حشد يصفق لقرارات لا يفهمها، أو يبارك خططاً يدرك عقمها.”
هذا التيه الفكري أحدث شرخاً عميقاً في الوعي الذاتي للمثقف. فالصورة اللامعة التي بناها لسنوات كرمز للنزاهة الفكرية والنقد البناء، بدأت تعاني من ضبابية شديدة في عيون محيطه وجماهيره. وبدلاً من أن يكون قائداً للتغيير، تحول في نظر الكثيرين إلى “مجرد رقم” في معادلة الأغلبية والمعارضة.
أمام هذا العجز والشعور بالخيبة، لم يجد عديد من هؤلاء المثقفين من ملاذ سوى:
الانسحاب الهادئ من كواليس التدبير الجماعي وحضور الجلسات كأعضاء “شرفيين” بلا روح.و الصمت التام وتجميد الأنشطة الثقافية السابقة تفادياً للإحراج أمام الذات وأمام المجتمع.و بالتالي الغياب عن الساحة عن الندوات، المقالات، والنقاشات العمومية، مما شكل خسارة فادحة للساحة الفكرية التي فقدت أقلاماً كانت بالأمس القريب تصنع الرأي العام.
إن ما يعيشه المثقف اليوم في مجالس الجماعات المحلية ليس مجرد أزمة شخصية، بل هو أزمة بنيوية تؤكد أن آليات العمل السياسي الحالي لا تزال عاجزة عن استيعاب الطاقات الفكرية وتحويلها إلى طاقة تدبيرية مجدية.
إذا كان العمل السياسي بحاجة إلى عقلانية المثقف، فإن المثقف بحاجة أيضاً إلى وعي واقعي يحميه من الابتلاع. وما لم يتم إعادة النظر في شروط التحالف بين “المثقف والحزب”، فإن الساحة الفكرية ستستمر في نزيف عقلي، وستظل المجالس المحلية تفتقر إلى “الروح” التي لا يملك سرها إلا أهل الفكر والأدب.

