عبد الهادي بوصبيع
من جديد، جهة كلميم واد نون، تتذيل الترتيب الوطني في تنزيل البرامج التنموية، والحكومة لا ترى في الجهات شريكا في التنمية، بل مجرد محفظة مالية تلجأ إليها لتوفير الاعتمادات اللازمة لتمويل برامجها، وهذا ما أثبته تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2025، حيث كشف أن الجهات -مؤسسات منتخبة – مغيبة عن اللجان الوطنية لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية، ولم يُسند لها سوى تنفيذ 20 % من مشاريع هذا البرنامج الذي تساهم فيه ب 40 % من مجموع غلافه المالي الذي يصل إلى 46,75 مليار درهم إلى غاية منتصف 2025.
مفارقة أخرى، رغم أن الدستور يحصر دور الولاة والعمال في تقديم المساعدة لرؤساء الجماعات الترابية لتنفيذ برامجهم التنموية، وهو ما يُفهم منه أن هندسة البرامج التنموية وتنفيذها، اختصاص أصيل للجماعات الترابية، فإن واقع الممارسة، يكشف عكس ذلك، إذ أوضح تقرير المجلس الأعلى للحسابات، أن 51 % من مشاريع برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية أُسند تنفيذها إلى وُلاة وعُمال الأقاليم، في حين أن الجهات، لم تُشرف سوى على تنفيذ 20 % فقط من مشاريع البرنامج التي أُنجزت فوق ترابها، والتي يفترض أن تكون الجهة الفاعل الرئيسي فيه، بالنظر إلى كون البرنامج موجه للتجاوب مع إشكاليات المناطق القروية والجبلية بحسب خصوصياتها وتلبية حاجيات ساكنتها المحلية.
كما أشار التقرير ذاته إلى أن ورش الجهوية يواجه تحديات وصعوبات تنظيمية وبشرية ومالية، تحُدّ من مردودية البرامج التنموية التي تشرف عليها الجماعات الترابية وفي مقدمتها الجهات. ويعود ذلك ، بحسب التقرير إلى مجموعة من العوامل في مقدمتها تعثر تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري حيث لم تتجاوز نسبة تنزيله 36% من إجراءات خارطته، وهو ما يعيق فاعلية اللامركزية ومؤسساتها في تدبير برامج التنمية الترابية المندمجة.
إن أبرز ما يستخلص من هذا التقرير، هو أن الجهوية المتقدمة قد تقلصت مساحتها في الفعل التنموي، وتم تجميد ورشها مع حكومة 8 شتنبر، وأن أدوار الفاعلين في التنمية المحلية، على مستوى الممارسة لا تنسجم ولا تُطابق بالضرورة مقتضيات النص القانوني، حيث أبانت التجربة عن هيمنة رجل السلطة في توجيه القرار التنموي على المستوى المجالي، في مقابل هامشية المؤسسات المنتخبة، وفي أحسن الأحوال تبعيتها لاختيارات سلطة الوصاية. هذه الأخيرة لم تكتف بالحدود التي رسمها لها دستور2011، بل تجاوزت دور المساعد إلى دور صانع التنمية تخطيطا وتنفيذا، و هو ما يجعل ميزان الحكامة الترابية مختلا، يفتقر إلى وضوح الأدوار والمسؤوليات، بما يجعل الطرف المهيمن فعليا على القرار العمومي الترابي، محصنا من أية مساءلة سياسية وقانونية، وإلا فمن تجب محاسبته عن تواضع حصيلة تنزيل برنامج الفوارق المجالية والاجتماعية بجهة كلميم واد نون التي تعتبر الأدنى وطنيا بين جهات المغرب بنسبة إنجاز لم تتجاوز عتبة 65 % من المشاريع المسطرة ببرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟
والخلاصة الأخيرة، بناء على واقع جهة كلميم ود نون، يمكن الجزم أنه حين تتعطل الديمقراطية تتعطل التنمية، بحيث لا يمكن تفسير وتفهم تخلف الجهة عن باقي جهات الوطن في تنفيذ برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، إلا في ضوء تداعيات واقعة توقيف مجلس الجهة لما يزيد عن السنة خلال الولاية الانتدابية السابقة. فهل يستطيع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة تجاوز أعطاب الصيغة الراهنة من البرامج التنموية وفق ما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات أم أنه سيمضي في تكريس هامشية المؤسسات المنتخبة في صناعة التنمية المحلية؟

