اعتادت “نبيهة” أن تُباشر عملَها في أحد مصانع النسيج في نابل كلّ يوم مهما كانت الأحوال الجويّة، لأنّها مسؤولة في مصنع مُصدّر كليًّا ولا يمكنها أن تتغيّب من تلقاء نفسها أو أن تشتغل عن بُعد. قالت لنا إنها كانت تعلم في قرارة نفسها أنّ الوضع المناخي سيتفاقم عشيّة يوم الاثنين، ولكنّها واصلت عملها وتنقّلاتها بين مصانع الساحل والوطن القبلي لتأمين السِّلَع وتصديرها، غير أنّها وجدَت نفسَها عالقةً في الأوحال في مدينة “سليمان” بنابل (شمال شرق تونس) في طريق العودة إلى بيتها يوم الاثنين 19 جانفي، غير قادرة على التحرّك بسيّارتها. اتّصلت بالحماية المدنيّة، ونُقلت إلى بيتها في حين نُقلت سيّارتها إلى الميكانيكي، في مشهدٍ أعاد إلى ذهنها فيضانات سبتمبر 2018 الّتي جدّت بمدينة نابل، ليتكرّر المشهد ذاته مرّة أخرى: سيلٌ جارف من المياه، سيّارة غارقة، حالة من الهلع، تكاليف إصلاح السيارة، تأخّر شركات التأمين في سداد تكاليف الصيانة، إجهاد وإعياء، واستئناف للعمل…
بَلَغت كميّات الأمطار في مدينة نابل 157 مليمترا يوم 20 جانفي حسب أرقام المعهد الوطني للرصد الجوّي، وراكمت بعض مدنها في ظرف 36 ساعة ما يُناهز 400 مليمترا، وفق ما نشره المختصّ في الشأن المناخي حمدي حشاد، وهو ما يُعادل 83% من المعدّل السنوي الجملي للأمطار في ولاية نابل المُقدَّر بـ480 مليمترًا. وفي مدينة سيدي بوسعيد بالعاصمة أيضًا، فإنّ كميّة الأمطار التي تمّ تسجيلها على مدار ثلاثة أيّام قد بَلَغت 400 مليمتر، في حين يُمثّل المعدّل السنوي للتساقطات في ولاية تونس الكبرى 500 مليمتر في السنة. هذا التدفّق السّريع للأمطار يعكس من ناحية ما يُسمّيه المختصّ “سمات المناخ الجديد” الّذي يتميّز بسرعة تدفّق الأمطار في وقت وجيز، ووضعيّة البنية التحتيّة والسياسات العامّة في مجال مجابهة الكوارث الطبيعيّة.
حلول وقتيّة
يروي أشرف أصيل مدينة منزل تميم بنابل (شمال شرق تونس) للمفكرة القانونية كيف أنّه أصبح يراقب سقف بيته الّذي يقطُر مخافة أن ينهار بسبب الأمطار التي ظلّت تتساقط لساعات من دون انقطاع، وظلّ مُحاصرًا في البيت غير قادر على الخروج بسبب تقدّم مياه البحر بشكل ملحوظ، فيما ظلّ أحد أقاربه مُحاصَرًا داخل بيته الّذي داهمته المياه إلى مستوى مرتفع منعه من التحرّك في انتظار نجدة الحماية المدنيّة. “نحن ندرك حجم الضغط على فِرَق الحماية المدنيّة والجيش الّذي تمّ أيضًا تسخيرُه للنّجدة، ولكن ظللنا ننتظر كثيرًا إلى حين قدوم عناصر الإنقاذ. والدتي صارت تتحاشى الدّخول إلى المطبخ لأنّ السقف يرشح بالماء”، يضيف أشرف للمفكرة القانونية.

في مدينتَيْ حلق الوادي والكرم في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، يبدو أن الحياة بدأت تدبّ تدريجيًّا في الشوارع، ويتنقّل المتساكنون إمّا حُفاةً أو بأزياء وأحذية واقية من الماء للتزوّد بالموادّ الغذائية. “الحمد لله أنّني استأجرت بيتًا جديدًا في الطابق الأوّل، لأنّني كنت أعيش في الطابق الأرضي في حلق الوادي القديمة، وأتذكّر أنّني أسير بمطريّة وسط البيت لأقيَ نفسي من الأمطار التي تنزل من السّقف”، تقول إحدى المتساكنات وهي في طريق العودة إلى بيتها. في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي، فتحت بعض المحلّات لتزويد حرفائها بالموادّ الأساسية، في حين كانت المطاعم المُتاخمة لشاطئ حلق الوادي مقفلة. البحر شديد الاضطراب على غير عادته، والأرصفة شبه عائمة. “أين البلديّة؟” سؤال إنكاري طرحناه على أحد المارّة فأجاب هازئًا: “ما معنى بلديّة؟ نحن لا نعرفها”. “ولِمَ لا نرى شاحنات أو رافعات لتسريح المجاري؟”، نسأله من جديد. فيجيب: “طارت البركة منذ تمّ إحداث الأوناص (الديوان الوطني للتطهير بتونس، المعروف بالفرنسية باسم ONAS). الدّولة لا تبادر بجهر الأودية مما تسبّب في تراكم الفضلات وسدّ المجاري. كنّا نشتري الأسلاك الحديدية وننظّف ما علِقَ في شبكات الصّرف الصحّي بأنفُسِنا، في الثمانينات والتسعينات. الآن نغرق في شبر من الماء”.
مسؤوليّة الدّولة
أُحدثت إدارة المياه العمرانية بوزارة التجهيز سنة 1975، وتضطلع أساسًا بمهامّ التخطيط وإنجاز مشاريع حماية المدن من الفيضانات وصيانة منشآت حماية المدن من الفيضانات. فيما تضطلع البلديات أيضا بمهامّ جهر الأودية وصيانتها والتصرّف في مجاري المياه في نطاق حدودها الترابية. غير أنّ قُصور الإدارة البلديّة خصوصًا بعد حلّ المجالس المُنتخَبة وإرساء هندسة محلّية جديدة ساهم في تشتيت الصلاحيّات وتفاقم الوضع البيئي على وجه الخصوص. “هذا خليط من الاستهتار وعدم التخطيط المُسبق لتطوّر الظواهر المناخيّة وسوء حَوكمة في إدارة المتطلّبات اليوميّة وتدهور البنية التحتيّة”، هكذَا يُلخّص المختصّ في المناخ حمدي حشاد الوضعيّة للمفكّرة القانونية، مضيفًا أنّ التوسّع العمراني وبعض المنشآت لا تخضع إلى معايير السلامة العمرانيّة، وهو ما ساهم في تفاقم الوضع خلال الفيضانات، إذ توجد بناءات في مجاري أودية وأخرى في مناطق قريبة من السواحل حيث تكون الحركة البحريّة نشيطة، بالإضافة إلى وجود عدد من الممتلكات والعقارات في الملك العمومي البحري. ولكنّ هذا لا ينفي مسؤوليّة الدّولة في التهيّؤ المسبق لحدوث فيضانات وإعداد قنوات لتصريف مياه الأمطار. “لا توجد برامج لحماية المُدن من الفيضانات وهناك سوء تخطيط وتصرّف في صورة حدوث كوارث طبيعيّة”، يضيف حمدي حشّاد.

من جهته يقول المختصّ في التنمية والمناخ حسين الرحيلي للمفكرة القانونية إنّ الإشكال يكمن في أنّ البلاد تمتلك شبكات موحّدة لتصريف مياه الصرف الصحّي ومياه الأمطار، مُضيفًا أنّه في بعض الأحيان تبتلع قنوات الصّرف المياه وتفرزُها داخل البيوت لأنّها شبكات قديمة تغيب عنها الصيانة، وعمرها يصل إلى أربعين سنة. “الشبكات قديمة والصرف الصحّي ليس مستقلًّا عن مياه الأمطار، بالإضافة إلى البناء العشوائي في المناطق المنخفضة والأودية المعرّضة للفيضانات، وهي ظاهرة في كلّ المُدن”، يُفسّر الرّحيلي، مضيفًا أنّ المياه تجري بطبعها نحو المناطق المنخفضة، غير أنّها في تونس تُعالَج بطريقة عكسيّة. ففي فيضانات سنة 2003، ظلّت المياه تُضخّ من المناطق العمرانية بمنطقة السيجومي في الضاحية الغربيّة من العاصمة نحو وادي مليان شمالًا نظرًا لأنّ المساكن المتضرّرة في الضاحية الغربية موجودة في المناطق الأكثر انخفاضًا، وبالتالي فهي تكون عُرضةً أكثر من غيرها لتجمّع مياه الأمطار وللفيضانات، وهو ما يُفسّره الرحيلي بغياب “التخطيط العمراني المنظّم”.
بقلم : منال دربالي. صحفية تونسية
