عثمان حنزاز
إنّ الفيضانات الأخيرة التي ضربت مدينة آسفي الجريحة يوم الأحد الماضي ليست مجرد حدث طبيعيّ عابر، بل هي امتحان قاس جدًا لمنظومة السياسات والمؤسسات والقيم. فقد كشفت عن هشاشة البنية الاجتماعية التي تعرفها المدينة عمومًا، ومنطقة المدينة العتيقة خصوصا، وعرّت أعطاب الحكامة التي تعاني منها المدينة منذ سنوات خلت، كما وضعت الحقوق الأساسية للمواطن المسفيوي على المحك. ومن ثمّ تصبح هذه الكارثة مرآة تعكس جودة السياسات العمومية، ومدى ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إنّ هذا الحدث الأليم وما خلّفه من ضحايا وخسائر يفرض علينا اليوم معالجته من خلال مجموعة من الأبعاد، حتى لا تتكرر الكارثة من جديد:
البعد الأول: إنساني واجتماعي
ويتجلى في الحاجة الملحّة والآنية إلى الإغاثة العاجلة وصون الكرامة الإنسانية، وإبراز قيم التضامن والتكافل، عبر توفير الدواء والغذاء والمأوى، والدعم النفسي، وحسن المواساة لعائلات الضحايا والمتضررين.
البعد الثاني: إداري سياسي
من خلال طرح سؤال الحكامة وترتيب المسؤوليات؛ فالحدث ليس قدرا طبيعيا صرفا، بل هو نتيجة لاختلالات سياسية وتدبيرية متراكمة، تبدأ بضعف التخطيط العمراني، وعدم صيانة مجاري الأودية، وغياب سياسات الوقاية والإنذار المبكر، إضافة إلى تأخر التدخل في الوقت المناسب، وانعدام التنسيق بين الإدارات المعنية.
البعد الثالث: حقوقي
من خلال تفعيل آليات المساءلة القضائية والإدارية حينما يكون الإهمال والتقصير وسوء التدبير سببا مباشرا في الكارثة، والإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي تطرحها مثل هذه الأحداث، ومنها:
هل للمسفيوي الحق في الحياة والسلامة الجسدية والسكن اللائق والعيش في بيئة سليمة وآمنة؟
هل للمسفيوي الحق في المعلومة عبر آليات الإنذار المبكر؟
هل للمسفيوي الحق في جبر الضرر والإنصاف والتعويض العادل عمّا فقدوه من أرواح وممتلكات مادية وعينية؟
البعد الرابع: ترتيب الجزاءات والمسؤوليات
وذلك عبر تفعيل مبدأ العدالة والإنصاف من خلال:
المحاسبة الإدارية للمسؤولين عن التقصير في الوقاية والتدخل.
المحاسبة السياسية بتحمّل المسؤولية التاريخية أمام الرأي العام المحلي والوطني.
المحاسبة الجنائية بمتابعة كل من ثبت تورطه في هذا الإهمال الجسيم أو في فساد أدّى إلى وقوع هذه الكارثة.
رحم الله الضحايا رحمةً واسعة، وشفى الجرحى شفاءً لا يغادر سقمًا، وكان الله في عون المتضررين، وجعل لهذه المدينة الجريحة من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

