عبد النبي اعنيكر
يتصاعد النقاش حول مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية باعتباره خياراً استراتيجياً لإطلاق دينامية جديدة في التنمية المحلية. هذا التحول يحتاج إلى أسس صلبة ترتكز على العدالة الاقتصادية والشفافية في تدبير الموارد، غير أن استمرار مظاهر الريع يهدد هذا المسار ويجعل التحدي أكثر تعقيداً.
إقليم طانطان نموذج دال على هذا الوضع. فالمجال يزخر بإمكانات اقتصادية مهمة، خصوصاً في قطاع الصيد البحري والموقع الاستراتيجي المؤهل لجذب الاستثمار، غير أن مردودية هذه المؤهلات تبقى محدودة بسبب تحكم لوبيات فاسدة استغلت العمل السياسي كيافظة لتراكم ثرواتها على حساب الصالح العام. هذه اللوبيات احتكرت امتيازات ثمينة، ما أدى إلى تحويل موارد مفصلية إلى أدوات للإثراء غير المشروع.
هذا الواقع كشف عن خلل عميق في بنية النخب السياسية التي ظلت تسيطر على مفاصل القرار. إذ برزت شخصيات لا تستمد شرعيتها من الإنجاز أو الكفاءة، بل من شبكات مصالح استطاعت أن تحوّل السياسة إلى وسيلة لاقتسام الثروة وتكريس الامتيازات. ومع تراكم مظاهر سوء التدبير والإقصاء، باتت الثقة في المؤسسات المحلية عرضة للاهتزاز.
إن رهان الحكم الذاتي لا يمكن كسبه ما لم تُرفع اليد عن خيرات الإقليم وتُفتح أبواب المشاركة أمام نخب جديدة تمتلك القدرة على الإبداع واتخاذ القرار، بعيداً عن منطق السمسرة السياسية. فالنموذج التنموي الذي يُفترض أن يرافق هذا المشروع مطالب بإعادة توزيع الفرص وتوجيه الموارد نحو خلق الثروة المشتركة. وأي استمرار لتجارب الريع سيحول دون تحقيق المطمح الجماعي في بناء جنوب متقدم ومنصف.
إن إشكالية الصيد البحري مثال واضح على اختلالات توزيع الثروة. فقد تحوّل نشاط واعد إلى قناة انتقائية، يستفيد منه عدد محدود ممن نجحوا في استغلال السياسة كأداة للوصول إلى الامتيازات. وفي ظل غياب منافسة عادلة، يجد الشباب أنفسهم مقصيين من فرص الشغل، ليصطدموا بواقع لا يستجيب لانتظاراتهم.
كما أن ضعف آليات المراقبة والمحاسبة ساهم في تعزيز نفوذ تلك اللوبيات. فغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة وتراخي الرقابة المحلية سمح باستمرار تدبير يفتقر إلى الشفافية، مما أدى إلى اختلالات كبيرة في تنفيذ المشاريع وتوجيه الاستثمارات. وهكذا بقيت التنمية خطاباً عاماً لا ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.
اليوم، تبرز ضرورة إعادة تشكيل النخبة السياسية في طانطان وفق معايير الكفاءة والنزاهة. فإقليم طانطان يحتاج إلى نخب قادرة على إعادة الثقة في المؤسسات، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج، ودعم المقاولة المحلية، والقطع مع الامتيازات غير القانونية. كما أن تعزيز حرية الإعلام والرقابة المدنية يمثل رافعة أساسية لكشف الاختلالات ومواجهة ممارسات الاحتكار.
إن التحول الحقيقي يتطلب إرادة سياسية واضحة لإعادة بناء المؤسسات على أسس العدالة والمشاركة، وتثبيت دعائم الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام. فحين تُحرر الموارد من منطق الاستغلال وتُمنح الفرص وفق الاستحقاق، يصبح الحكم الذاتي وسيلة فعالة لخلق نهضة اقتصادية واجتماعية تجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً للعدالة والدينامية.
طانطان اليوم أمام فرصة تاريخية. التخلص من قبضة اللوبيات الفاسدة وتوجيه المشروع التنموي نحو المصلحة العامة سيكون مسار حاسم لوضع الإقليم على سكة التحول المنشود. وحين تُعاد صياغة قواعد اللعبة السياسية وفق مبدأ الكفاءة والمصلحة الجماعية، يصبح الجنوب قادراً على تقديم نموذج تنموي ناجح يستجيب لتطلعات الساكنة ويُعيد الاعتبار لثقافة العمل والإنتاج.

