شهدت عمالة آسفي أمس الثلاثاء مشهدًا عبثيًا، يكشف أن بعض العقول المتحكمة داخل الإدارة الترابية ما تزال تعيش خارج روح الدستور، وخارج إرادة الإصلاح التي عبّر عنها المغاربة منذ سنوات.
فلقاء تشاوري قُدّم على أنه تنزيل للرؤية الملكية السامية في إشراك الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، تحوّل فجأة إلى جلسة مغلقة، مُفصّلة على المقاس، تُفتح فيها الأبواب لمن يُرضي المزاج الإداري، وتُغلق أمام من لا تستسيغ السلطة حضوره.
إقصاء حزب العدالة والتنمية من هذا اللقاء لم يكن زلة عابرة ولا سوء تدبير؛ بل خطوة محسوبة تُراد منها إعادة ترتيب المشهد المحلي على مقاس معين، وإسكات صوت سياسي له امتداد شعبي واضح.
فالحزب الذي ترأس جماعة آسفي خلال الولاية السابقة، ومثّل المدينة بثلاثة برلمانيين، وتولى رئاسة الحكومة على المستوى الوطني، يُقصى اليوم بطريقة انتقائية ومتعمدة؛ فقط لأن هناك من لا يحتمل وجوده في طاولة حوار يُفترض أن تكون مفتوحة للجميع.
من تحمّل مسؤولية تنظيم اللقاء داخل العمالة قتل جوهر المبادرة الملكية قبل أن تولد. حوّل فضاءً يُفترض أن يتسم بالتشاور والانفتاح إلى عملية إقصاء فجة، عنوانها الضيق السياسي والكولسة، وهدفها بعث رسالة مفادها أن زمن التحكم لم ينته بعد، وأن بعض الجهات ما تزال تتعامل بمنطق:“نُدخل من نشاء… ونقصي من نشاء.”
هذا السلوك لا يسيء فقط لحزب العدالة والتنمية الذي تم استبعاده دون أي مبرر منطقي، وإنما يسيء قبل ذلك للمؤسسة الملكية ذاتها التي تدعو باستمرار إلى إشراك الجميع في تدبير الشأن العام، بعيدًا عن منطق الانتقاء والتصنيف.
إن عمالة آسفي، عبر هذا النهج، اختارت أن تُفرغ المبادرة الملكية من مضمونها وأن تُحوّلها إلى ديكور إداري لا معنى له، بدل أن تكون أرضية حقيقية للحوار والتفاعل البناء.
فإقصاء حزب العدالة والتنمية من لقاء بهذه الأهمية يكشف خوفًا مُركّبًا من قوة خطاب الحزب وقدرته على التأثير، كما يعكس عقلية ترى في الاعتراف بالآخر تهديدًا مباشرًا لامتيازاتها.
فلو كان القائمون فعلاً يؤمنون بالديمقراطية والتشاركية، لفتحوا الباب لمن يختلفون معهم قبل من يتفقون، لأن جوهر السياسة هو إدارة الاختلاف لا إقصاؤه.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هل كانت عمالة آسفي بصدد تنفيذ الرؤية الملكية فعلًا؟ أم أنها تعمدت إفراغها من محتواها خدمةً لأجندات محلية ضيقة تُزعجها التعددية وترعبها الأصوات التي تضع الأصبع على مكامن الخلل؟
إن ما قامت به العمالة يُظهر بوضوح أن معركة البناء الديمقراطي ما تزال مستمرة، وأن بعض الجيوب الإدارية لم تستوعب بعد أن المغرب اختار دستورًا يؤمن بالانفتاح لا الإقصاء، وبالتعددية لا الوصاية، وبالمؤسسات لا بالأبواب المغلقة.غير أن ما يُطمئن هو وعي الناس.فالشارع يرى، والرأي العام يُسجل، والتاريخ لا ينسى.قد تنجح بعض الجهات في إقصاء حزب من لقاء…لكنها لن تنجح في إقصائه من قلوب الناس ولا من ذاكرة المدينة.والأهم، أنها لن تُوقف مسارًا وطنيًا يتجه نحو مزيد من الديمقراطية والشفافية.
في آسفي اليوم، قُدّم درس سيئ في التحكم…لكن من اختار الإقصاء هو الخاسر الحقيقي، لأن ما يُبنى على الظلم لا يصمد، وما يُدار خلف الأبواب المغلقة لا يُكتب له البقاء.

