في وقتٍ يعيش فيه لبنان أزمة نفايات مزمنة منذ سنوات، عاد مشهد تكدّس النفايات في الشوارع ليطلّ مجدداً مع بلوغ مطمر الجديدة سعته القصوى وتوقّفه عن استقبال نفايات بيروت وجبل لبنان. وردّاً على ذلك، أقرّ مجلس الوزراء أمس قراراً بتوسيع المطمر الساحلي، في خطوة وصفتها منظمات بيئية بأنها “تمديد لعمر الأزمة بدل حلّها”.
وأكدت غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وائتلاف إدارة النفايات في بيان مشترك أنّ قرار التوسعة لا يعدو كونه “مسكّناً مؤقتاً لأزمةٍ متفاقمة”، منتقدتين استمرار الحكومة في اعتماد سياسات آنية بدلاً من تنفيذ حلول مستدامة قائمة على رؤية واضحة وإرادة سياسية حقيقية.
وقال جوليان جريصاتي، مدير البرامج في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن “الحكومة اللبنانية تكرر الخطأ نفسه باللجوء إلى حلول ترقيعية لا تعالج جذور الأزمة”. وأضاف أن “المطلوب اليوم ليس حلولاً سحرية أو تكنولوجية سريعة، بل خطوات عملية تبدأ من تقليل وفرز النفايات من المصدر، مرورًا بإعادة التدوير والتسميد، وصولًا إلى معالجة ما تبقّى بطرق آمنة بيئيًا بعيدًا عن المحارق التي تُروّج كحلول وهمية”.
من جهتها، شددت سمر خليل، عضو ائتلاف إدارة النفايات، على أن توسعة المطامر “ليست حلاً بل تكراراً لأخطاء الماضي”، محذّرة من خطر تكدّس النفايات مجدداً كما حدث عام 2015. وأوضحت أن “الاعتماد الحصري على الطمر من دون فرز أو معالجة يهدد صحة المواطنين ويبدد الموارد، لأن إدارة النفايات في لبنان ليست أزمة تقنية بل أزمة حوكمة وإرادة سياسية”.
وأضافت خليل أن الحلول متوفرة ومتوافقة مع الاستراتيجية الوطنية المتكاملة لإدارة النفايات، التي لا تزال قيد المراجعة من قبل وزارة البيئة، داعية إلى الإسراع في اعتماد آليات تنفيذها وإشراك البلديات والمجتمع المدني في تطبيقها.
وانطلاقاً من مبادئ الاقتصاد الدائري، دعت المنظمتان السلطات اللبنانية إلى اعتماد جملة من الإجراءات العاجلة، أبرزها، تطبيق الفرز من المصدر بشكل إلزامي وفعّال، وتأهيل البنية التحتية الداعمة لذلك، مع معالجة النفايات العضوية، التي تمثل نحو 70% من مجمل النفايات، عبر التسميد أو المعالجة البيولوجية، فضلا تفعيل مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج، لتحميل المستوردين والمنتجين مسؤولية نفايات منتجاتهم وتغليفها.
إلى جانب اعتماد مطامر صحية مؤمّنة فقط للنفايات غير القابلة للتدوير أو المعالجة، مع فرض رسوم مرتفعة لضمان أن الطمر يبقى الخيار الأخير، مع تمكين البلديات والمجتمع المدني من تنفيذ حلول لامركزية مستدامة قائمة على الإصلاح والتدوير وإعادة الاستخدام، وكذا وضع مؤشرات شفافة للقياس والمتابعة ونشرها دورياً للرأي العام.
كما حذّرت المنظمتان من الترويج لاستخدام الوقود المشتق من النفايات (RDF) كخيار سريع، معتبرتين أنه “يقوّض جهود إعادة التدوير ويطلق ملوّثات خطرة، فضلاً عن تشجيعه على زيادة النفايات لإنتاج الطاقة بدلاً من تقليصها”، ما يضع لبنان – بحسب البيان – “على طريق نظام حرق غير مستدام يصرف الأنظار عن الحلول البيئية الحقيقية.”
البيان شدد على أن إنقاذ لبنان من دوامة الأزمات البيئية يتطلب إرادة سياسية صادقة ورؤية إصلاحية شاملة تقوم على الوقاية لا الترقيع، وعلى المشاركة المجتمعية لا القرارات الانفرادية.

