في تسعينيات القرن الماضي كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله كتاب islamiser la modernité في ظرفية مهمة من تاريخ المغرب وكذا تطور الفكر الإسلامي. اتذكر حينها أنني قرأت ذلك الكتاب مرة واحدة من البداية حتى النهاية دون توقف ( إلا طبعا توقفات طبيعية). أثار في ذلك الكتاب فضول القراءة لبعض من ذكرهم الإمام وأثنى على معرفتهم. ومن أولئك ادغار موران والان تورين. خصصت منذ ذلك الوقت حيزا من قراءاتي البنائية لكتبه ولم أندم على ذلك بل أعتبره مصدرا من مصادر تكويني. تعرفت عليه عن قرب في مناسبات قليلة حين حضرت بعض ندواته وقد كان مقيما في مراكش.
بعض حواراته كانت تبين أنه متابع جيد إضافة لكتبه التي كانت تبين أنه من المفكرين القلائل الذين حافظوا على إنسانيتهم.
في ما يلي ما قاله الإمام عبد السلام ياسين عنه في الإسلام والحداثة
ص 126 و127 في الترجمة العربية و ص 149 وما بعدها في النسخة الفرنسية وهي الأصلية للكتاب:
*تبدو أمارات فجر جديد يطل على الإنسانية التي عرتها المسلمات الكاسرة من كرامتها، فَجْرٍ يُبَشِّرُ به ارتباك عظماء المفكرين الحديثين. فالشك يعقبهُ دائما بحث عن الحقيقة كما أن الليل يطلبه النهار: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران، 140).
لنتتبع إذن التحليق المبكر لطير علمي اسمه إدغار موران، عملاق من عمالقة الفكر الفرنسي، مؤسس «علم اجتماع الحاضر»، صاحب الكتابات الغزيرة، مؤلف «المنهج» المجزء إلى أربع مجلدات، موران الذي تلتقي عنده عدة علوم رغم اهتمامه المتميز بالفلسفة: علم الاجتماع، علم الإنسان، الفلسفة، الأحياء. يستلهم هذا العالم مقَاربة متعددة التخصصات ليوجه عملية إصلاح الفكر الحديث، يحدوه في ذلك طموحه إلى إحداث ثورة في العلوم الإنسانية شبيهة بالثورة التي فجرها كوبرنيكوس في تصور الإنسان للكون منذ أكثر من أربعة قرون.
أتَّخِذُ هذا الرائد دليلا لأجلب انتباه الناطقين بالفرنسية الذين لا يعيرون سمعهم إلا لما يقال ويكتب بلغة أوربية وبأقلام أوربية. أصِلُهُم مباشرة «بسلطة» جديرة بالاحترام. سأستشهد بها وأعيد الاستشهاد. يكتب إ. موران ما يلي: «إن أكبر اكتشاف في هذا القرن هو أن العلم ليس مملكة اليقين رغم أنه يقوم طبعاً على سلسلة من اليقينيات المحدَّدَة مكاناً وفضاء (…) لقد كانت أعمال بوبر ضرورية ليفهم المرء أن النظرية العلمية لا تكون كذلك إلا إذا اعترفت بقابليتها للخطإ وبإمكانية تزويرها، أي تُسلِّم بقابليتها للتلاشي.» هذا المصطلح الأخير بليغ بمدلوله. فلطالما استعمله علماء البيئة المهتمون بحمايتها عبر الترويج لاستخدام لفافات قابلة للتلاشي في الطبيعة. وتبقى الداروينية التي أضحت عقيدة راسخة في أوربا أكثر الموجات تلويثاً في بحر الأفكار، تنتظر منظفين أكثر فعالية من النصارى البروتستانت أنصار «الخلق من العدم» لإجلائها. أما كاتبنا فيطبق فكرة بوبر في مجال العلوم الكلاسية ويُلغِي الأسسَ المنهجية الثلاثة التي استندت إليها في بناء يقينياتها، رغم اعترافه بقيمتها الملموسة الفعالة.
