بقلم: فاطمة لطرش – رئيسة جمعية منتدى الحركة النسائية المغربية الصحراوية
رغم أن مدينة العيون لم تشهد أي مظاهر احتجاج أو خروج إلى الشارع فإن ذلك لا يعني أن ساكنتها تعيش في رغد من التنمية أو في رفاهية اجتماعية واقتصادية. بالعكس، نحن أبناء وبنات هذه المدينة الصامدة نعيش معاناة يومية صامتة تَحمل في طياتها مرارة الإقصاء وواقع الفساد الذي تسرب إلى جل القطاعات الحيوية من صحة وتعليم وفرص شغل وتنمية مجالية.
لقد اخترنا رغم كل هذا السكوت حفاظا على مصلحة الوطن العليا، وإيمانا منا بأن عدونا الحقيقي ليس في الداخل بل في الخارج وأن أي احتجاج قد يستغل من أعداء وحدتنا الترابية لتشويه صورة المغرب. لكن هذا الصمت لا يعني الرضا بل هو صبر وطني مسؤول لا يمكن أن يستمر أمام استفحال الفساد وغياب العدالة في توزيع الفرص والمشاريع.
العيون مدينة استثناء أم مدينة مستثناة؟
نسمع يوميا عن “العيون نموذج التنمية بالصحراء”، لكن حين ننزل إلى الميدان نصطدم بحقيقة مغايرة تمامًا. مشاريع تنموية تعلن في الإعلام، وأرقام براقة تتداول في التقارير الرسمية، لكنها لا تترجم على أرض الواقع إلا في خدمة فئة محدودة من المنتفعين والمقربين من بعض المنتخبين أو المنتمين لحزب بعينه خاصة من المحسوبين على حزب الاستقلال.
تحولت برامج التشغيل ودعم المقاولات إلى أدوات لشراء الولاءات السياسية بدل أن تكون رافعة حقيقية لمحاربة البطالة وإدماج الشباب في سوق الشغل.
أما المشاريع الاجتماعية فهي تمنح لمنخرطي الأحزاب وأقارب المنتخبين في ظل غياب تام لمعايير الشفافية والمحاسبة ما يجعل التنمية في العيون ريعا منظما أكثر مما هي عملا تنمويا نزيها يخدم الإنسان الصحراوي.
الفساد في القطاعات الحيوية ملف مفتوح
الحديث عن قطاعي الصحة والتعليم بالعيون مؤلم ومخجل.
في الصحة المواطن يواجه واقعًا مريرا من قلة الأطر الطبية ضعف التجهيزات ورداءة الخدمات. المستشفى الجهوي، الذي يفترض أن يخدم جهة بأكملها يعاني من اختلالات بنيوية صارخة.
وفي التعليم لا يخفى أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالعيون تسجل نسب نجاح متدنية على المستوى الوطني ما يطرح تساؤلات عميقة حول جودة التعليم، والرقابة على المؤسسات التعليمية ومدى جدية المسؤولين في معالجة هذا الخلل البنيوي.
ورغم كل هذا يصر البعض على تلميع الصورة في الإعلام المحلي والوطني في حين يعيش المواطن العادي تهميشا وإقصاء حقيقيين.
مطالبة بفتح تحقيق وطني نزيه
من هذا المنبر نطالب بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق في ما يُسمى بالمشاريع التنموية بجهة العيون الساقية الحمراء والوقوف على مصير الأموال الضخمة التي تضخ سنويا في هذه الجهة باسم التنمية.
فأين تذهب هذه الأموال؟
ولماذا لا تنعكس على حياة المواطنين في التشغيل البنية التحتية التعليم والصحة؟
الجواب واضح: هناك شبكة فساد متغلغلة في كل القطاعات تستغل القضية الوطنية والمشاريع الملكية الكبرى لتحقيق مصالح شخصية وانتخابية.
الخطابات الملكية كانت واضحة فأين التنفيذ؟
لقد شدد جلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من خطاب على أن التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست منة من أحد، بل حق للمواطن الصحراوي الذي يجب أن يكون في صلب السياسات العمومية.
كما دعا جلالته إلى الشفافية المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة وإلى جعل الإنسان محور كل مشروع تنموي.
لكن الواقع المؤلم يؤكد أن هناك من خان روح التوجيهات الملكية، واستغل الثقة الملكية من أجل مصالح حزبية ضيقة وهو ما يتطلب تدخلا ملكيا صارما لتصحيح المسار.
نداء من أجل زيارة ملكية إلى العيون
نحن كفاعلين جمعويين ومواطنين أوفياء لوطننا وعرشِنا المجيد، نرفع نداء صادقا إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله لزيارة مدينة العيون والاطلاع بنفسه على واقع التنمية الموجهة لأبناء هذه المنطقة.
نحن لا نطلب سوى الإنصاف، ومحاسبة كل من خان الأمانة أو تلاعب بالأموال العمومية أو بالبرامج الموجهة لتنمية الإنسان الصحراوي.
لقد آن الأوان لقطع دابر الفساد والمفسدين لأن الخطر لم يعد فقط اقتصاديًا واجتماعيا، بل أصبح سياسيا وأمنيا يهدد ثقة المواطن في المؤسسات.
كلمتي الأخيرة اقول نحن مع مغرب المؤسسات ومغرب التنمية الحقيقية ولسنا ضد أحد، بل ضد الفساد والمفسدين أيا كانوا.
نقولها بصوتٍ واحد:
كفى من النزيف كفى من الريع كفى من المتاجرة بالقضية الوطنية
نريد مغرب العدالة مغرب الكرامة مغرب المحاسبة.
العيون كانت وستبقى وفية للعرش العلوي المجيد،
لكنها اليوم تقول بصوتها الهادئ الصادق:
نحب الوطن ونكره الفساد

