تُعتبر الثقافة الحسانية إحدى الركائز الجوهرية للهوية الوطنية المغربية، وقد أولتها الدولة مكانة خاصة ضمن سياساتها الثقافية، انسجامًا مع الاعتراف الدستوري بالتنوع الثقافي. ومن أبرز مكونات هذا الموروث يبرز البعد الفني الذي يُترجم أصالة الإنسان الصحراوي وقدرته على تحويل بيئته القاسية إلى فضاء مفعم بالجمال والإبداع.
الفن الحساني يتجلى أولًا في الشعر الحساني أو “لغن”، وهو مدرسة قائمة بذاتها، تُعبر عن الفخر والانتماء والبطولة، كما تنسج قصائد الحب والغزل والرثاء. ويُعتبر الشاعر في المجتمع الحساني مرجعًا، ووسيطًا بين الماضي والحاضر، ينقل الحكمة ويؤرخ للأحداث الكبرى بأسلوب فني راقٍ.
أما الموسيقى الحسانية، فتظل عنوانًا لخصوصية المنطقة. فهي تعتمد على آلات تقليدية مثل التيدينيت وآردين، وتُضفي ألحانها ذات الإيقاعات المميزة لمسة روحانية على الليالي والسهرات، حيث تتداخل الأدوار بين الشاعر والمغني والجمهور في لحظة فنية جماعية يتوارثها الناس جيلًا بعد جيل.
ولم تتوقف الإبداعات الفنية عند حدود الشعر والموسيقى، بل امتدت إلى الفنون التشكيلية التي تستلهم من ألوان الصحراء ورموزها الغنية، فتُترجم في لوحات تحمل روح المكان وتعيد قراءة التراث برؤية معاصرة. كما يحضر فن الحكي أو “الكَصص” كأحد الأشكال الفنية البارزة، إذ يفتح المجال أمام رواة يجيدون سبك الحكايات الشعبية التي تحمل قيم التضامن والكرم والشجاعة.
اليوم، ومع تزايد الاهتمام الرسمي والمدني بتنمية الأقاليم الجنوبية، برزت المهرجانات والملتقيات الثقافية كمنصات لإحياء هذه الفنون وصونها من الاندثار، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال الصاعدة ويعزز إشعاعها خارج حدود المغرب.
إن البعد الفني في الثقافة الحسانية هو رأسمال مهم يعكس هوية الصحراء المغربية، ويُجسد قيم الانفتاح والتنوع التي تميز المجتمع المغربي، مما يجعله عنصر قوة في تثبيت الانتماء وصيانة الذاكرة الجماعية.

