عبد النبي اعنيكر
إن الديمقراطية الحقيقية لا تختزل في عملية الاقتراع وحدها، بل هي منظومة متكاملة تقوم على مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وثقافة سياسية تحترم إرادة الناخبين. وأي حديث عن انتخابات حرة ونزيهة في المغرب، دون إصلاح سياسي جذري، يبقى أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى مشروع وطني جاد.
انتخابات 2021، التي كان يُفترض أن تكون محطة لتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، تحولت إلى انتكاسة سياسية غير مسبوقة. فقد جاءت نتائجها صادمة وغير مفهومة، إذ أُقصي حزب العدالة والتنمية إلى مرتبة متدنية لا تليق لا بتاريخه ولا بحجمه المجتمعي والسياسي.
هذا الحزب لم يكن طارئاً على الحياة السياسية، بل قاد الشأن الحكومي لما يقارب عقدين من الزمن، وحظي خلال هذه الفترة بإشادة تقارير وطنية ودولية، أكدت دوره الريادي في تعزيز العمل الحكومي والسياسي، وتطوير الأداء المؤسسي، وإعادة جزء مهم من الثقة المفقودة في السياسة إلى المواطنين. وقد تميزت تجربته بالإصلاحات الهيكلية في مجالات الحكامة، والشفافية، والانفتاح على الرأي العام، فضلاً عن حضوره القوي في الميدان وصلته الوثيقة بقضايا المجتمع.
لكن انتخابات 2021 جاءت لتعيد رسم الخريطة الحزبية على نحو مريب. فقد تم تعديل القوانين الانتخابية، وعلى رأسها القاسم الانتخابي، بطريقة لم يسبق لها مثيل عالمياً، حيث احتُسب على أساس المسجلين بدل الأصوات الصحيحة، وهو ما أثر بشكل مباشر على تمثيلية الأحزاب الكبرى، وأضعف حضورها بشكل مصطنع. كما شابت العملية مؤشرات على استعمال واسع للمال الانتخابي، وضعف الرقابة على الحملات، وتحكم مسبق في التحالفات الحكومية.
النتيجة كانت مشهداً سياسياً هشاً، وحكومة ولدت من رحم ترتيبات مسبقة، أكثر مما ولدت من صناديق اقتراع تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية. هذه الممارسات وجهت ضربة قوية لمصداقية العملية الانتخابية، وأضعفت ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية، بل وأعادت إنتاج القناعة السائدة بأن النتائج الكبرى تُحسم في الكواليس قبل فتح مكاتب التصويت.
اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يصبح الإصلاح السياسي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. هذا الإصلاح يجب أن يشمل مراجعة القوانين الانتخابية لضمان تكافؤ الفرص وعدم تفصيلها على مقاس أطراف معينة، وتجفيف منابع المال الانتخابي ومحاربة شراء الأصوات بصرامة، مع ضمان استقلالية القضاء للنظر في الطعون ومعاقبة المتورطين في الفساد الانتخابي، وكذا العمل على تحرير الإعلام العمومي والخاص، وتوفير فضاء متكافئ لعرض البرامج والبدائل، مع إعادة الاعتبار لدور الأحزاب كمدارس للتأطير السياسي، وتشجيع تجديد النخب على أساس الكفاءة والنزاهة.
إن انتخابات 2021 يجب أن تُقرأ كجرس إنذار، لا كمجرد محطة عابرة. فبدون إصلاح سياسي شامل، سنكرر نفس السيناريو، وسنجد أنفسنا أمام انتخابات شكلية، ومشهد سياسي فاقد للشرعية الشعبية. وإذا أردنا مستقبلاً أن تكون صناديق الاقتراع مرآة حقيقية لإرادة المغاربة، فعلينا أن نقطع مع كل الممارسات التي أفرغت الديمقراطية من مضمونها، وأن نؤسس لمسار سياسي شفاف ومسؤول يضع المواطن في قلب العملية الديمقراطية.
