العيرج ابراهيم:
حين يلتحق الجندي المغربي بصفوف القوات المسلحة الملكية، فإنه يؤدي قسم الوفاء للوطن، مدركاً أن مهمته قد تنتهي بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. يقف في الصفوف الأمامية، يواجه الخطر دون تردد، وهو يحمل يقيناً بأن وطنه لن يخذل أسرته إن غاب، وأن الدولة التي أرسلته للدفاع عن حدودها ستظل وفية لمن دفع حياته ثمناً لأمنها واستقرارها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: هل تحقق هذا الوفاء على أرض الواقع؟
لقد ارتوت رمال الصحراء المغربية بدماء رجال كتبوا ببطولاتهم صفحات مشرقة في تاريخ الوطن. غير أن عدداً من أسر هؤلاء الشهداء، وفق ما ترويه شكاياتهم ومطالبهم المتكررة، ما زالوا يواجهون أوضاعاً اجتماعية واقتصادية صعبة، تتراوح بين ضيق ذات اليد، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات، والشعور بأن تضحيات ذويهم لم تُترجم دائماً إلى رعاية تليق بمكانتهم.
إن هذه القضية لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق الإحسان أو الصدقة، بل بمنطق الحق والواجب. فأسر الشهداء ليست فئة اجتماعية عادية؛ إنها امتداد لأولئك الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن وحدة الوطن وسيادته. ومن ثم، فإن أي سياسة عمومية تُعنى بالعدالة الاجتماعية تبقى منقوصة إذا لم تجعل من إنصاف هذه الأسر أولوية وطنية دائمة.
لا أحد ينكر ما تحقق من مبادرات ومكتسبات لفائدة عدد من أفراد القوات المسلحة وذوي الحقوق، لكن ذلك لا يمنع من طرح الأسئلة الصعبة عندما تظل بعض الأسر تعيش الهشاشة، أو تضطر إلى طرق أبواب الإدارات والمنتخبين والجمعيات للمطالبة بحقوق ترى أنها مشروعة. فالكرامة لا ينبغي أن تكون رهينة بالمساطر المعقدة، ولا أن تتحول إلى معركة يومية تخوضها أرامل الشهداء وأبناؤهم.
إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يُقاس بعدد الخطب ولا بالمناسبات الرسمية، وإنما يُقاس بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير حياة كريمة لأسرهم: سكن لائق، ورعاية صحية، وتعليم جيد للأبناء، ومواكبة اجتماعية، وتسوية الملفات العالقة في آجال معقولة، وإحداث آليات مؤسساتية تضمن الإنصات والتتبع والمساءلة.
لقد آن الأوان لإطلاق تقييم وطني شامل لواقع أسر شهداء الوطن، تشارك فيه مختلف القطاعات المعنية، بهدف الوقوف على مواطن القوة والاختلال، ووضع حلول عملية تنهي أي مظاهر للهشاشة أو الإقصاء. فتكريم الشهيد لا يكتمل إلا عندما تشعر أسرته أن الوطن الذي دافع عنه ما زال يحتضنها ويحفظ كرامتها.
إن الأمم العظيمة لا تُعرف فقط بقوة جيوشها، بل أيضاً بوفائها لمن ضحوا من أجلها. وإذا كان الشهيد قد أدى واجبه كاملاً، فإن واجب الدولة والمجتمع هو أن يواصلا حمل الأمانة، حتى لا تبقى دماء الشهداء مجرد ذكرى، ولا تتحول معاناة أسرهم إلى صفحة منسية في سجل الوطن.
فهل آن أوان ردّ الجميل؟

