العيرج ابراهيم: صحراء نيوز
تجد “الفيفا” (FIFA) نفسها اليوم في موقف لا تُحسد عليه، وهي تواجه واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاجتماعية قبيل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026. فبينما كان رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، يستعد لتقديم ما وصفه بـ “أعظم حفل افتتاح على وجه الأرض”، تحولت الشوارع المحيطة بملعب “أزتيكا” الشهير وشرايين العاصمة المكسيكية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تضع البهرجة الرياضية في كفة، والعدالة الاجتماعية في كفة أخرى.
ففي تصعيد غير مسبوق أثار ذهول الأوساط الرياضية العالمية، قام آلاف المحتجين — تتقدمهم نقابة المعلمين المستقلة العتيدة مدعومين بفعاليات مدنية وأسر المفقودين ، بإسقاط وتحطيم التماثيل البلاستيكية الضخمة التي يصل طولها إلى 5 أمتار المخصصة لأبرز نجوم المنتخبات العالمية المشاركة، والتي كانت تزين جادة “باسييو دي لا ريفورما” الشهيرة.
المحتجون لم يكتفوا بالإطاحة بالتماثيل، بل قاموا بتجريدها من أقمصتها الرياضية وإحراقها، وخطوا عليها شعارات باللون الأحمر تلخص جوهر المعركة: “إذا لم يكن هناك حل، فلن تدور الكرة“.
ولم تقتصر الحركة الاحتجاجية على قطاع التعليم، بل انضمت إليها رابطات أمهات وعائلات ضحايا الاختفاء القسري تحت شعار “لا تلعبوا بآلامنا”، مستغلين التغطية الإعلامية الدولية المسلطة على المكسيك لتذكير العالم بملف المفقودين والأزمة الأمنية التي تضرب بعض الولايات.
وتأتي هذه الهبّة الجماهيرية الغاضبة مدفوعة برفض شعبي حاد لسياسة الأولويات التي انتهجتها الحكومة؛ حيث يرى المتظاهرون أن السلطات صرفت مبالغ مالية ضخمة وبذخت في تجهيز البنية التحتية الرياضية والفنادق والمناطق المخصصة للمشجعين، في وقت تعاني فيه المدرسة العمومية المكسيكية من اهتراء خطير، وتفتقر فيه المستشفيات لأبسط المستلزمات الطبية، ناهيك عن أزمات انقطاع المياه وغلاء المعيشة الناتجة عن موجات “التحديث السياحي“.
هذا الوضع الاستثنائي وضع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في مأزق حقيقي، وتتلخص معضلاته في ثلاث نقاط أساسية:
أولها التهديد بإفساد العرس الكروي حيث تواجه الفيفا شبح تعطيل مباريات الافتتاح وشل حركة السير في المدن المستضيفة، وهو ما يضرب في الصميم العقود المليارية التي أبرمتها مع شبكات البث العالمية والشركات الراعية التي تطالب بأجواء “مثالية” خالية من مشاهد الغاز المسيل للدموع والاشتباكات.
و ثانيها سقوط القناع الأخلاقي الذي ترفعه تحت أحد شعاراتها الرنانة “كرة القدم توحد العالم”،
ليبقى ثالثها أشدها وقعا وهو مواجهة أزمة أمنية قد تخرج عن السيطرة رغم تأكيدات الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، بضمان أمن المونديال والدعوة للحوار…
تجدر الإشارة هنا أن أن بطولة 2026 قد فقدت بريقها “الوردي” قبل أن تبدأ، وأن الفيفا تلعب حالياً أصعب مبارياتها السياسية فوق عشب غير مستقر…خصوصا بعدما استطاعت هذه الحركات الاجتماعية في المكسيك-كيفما كان رد السلطات- في تحويل كأس العالم من مجرد حدث ترفيهي إلى مرآة تعكس التناقضات الصارخة لـ “العولمة الرياضية”.

