بقلم: العيرج ابراهيم:
مع انطلاق ماراثون امتحانات الباكالوريا في كل سنة، تتجه أنظار الرأي العام والمجتمع التربوي صوب التدابير التي تعلن عنها وزارة التربية الوطنية لتأمين الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص. ولعل العنوان الأبرز الذي تصدر المشهد مؤخراً هو “الثورة التكنولوجية” التي بشرت بها الوزارة، متمثلة في اقتناء آلات وأجهزة جد متطورة رُصدت لها ميزانيات ضخمة بالملايين، بهدف رصد وتعطيل الهواتف والوسائط الإلكترونية داخل مراكز الامتحان.
إلا أن واقع الحال داخل القاعات سرعان ما أزاح الستار عن فجوة عميقة بين خطابات الاستعراض التكنولوجي والواقع الميداني، ليتحول “المشروع الضخم” إلى علامة استفهام كبرى حول جدوى تلك النفقات.
لقد استبشر الجميع خيراً بالوعود الوزارية الصارمة، وانتظر المجتمع أن تشكل هذه الأجهزة المتطورة سداً منيعاً ينهي ظاهرة الغش الإلكتروني التي باتت تؤرق المنظومة التعليمية. لكن، وبشهادة الفاعلين في الميدان، تبين أن هذه التقنيات “المليونية” لم تكن سوى صيحة في واد؛ حيث نجحت مئات الهواتف المحمولة في اختراق مراكز الامتحان والوصول إلى الطاولات دون أن تحرك تلك الأجهزة ساكناً أو تصدر إشارة تحذير واحدة.
إنها فعلا مفارقة ميدانية، في الوقت الذي وقفت فيه الأجهزة المتطورة عاجزة أو “خارج التغطية”، كان لحنكة ويقظة نساء ورجال التعليم الكلمة الفصل.
فقد تحول الأساتذة المراقبون، بفضل حسهم المهني العالي، إلى “الرادار الحقيقي” الوحيد داخل القاعات، متمكنين بجهودهم الشخصية وبالملاحظة البصرية الدقيقة من ضبط أعداد هائلة من الهواتف الذكية والوسائط المتطورة بحوزة المترشحين.
لذا و أمام هذا الفشل الذريع للمشروع التكنولوجي، يجد المتتبع للشأن التربوي نفسه مضطراً لطرح أسئلة جوهرية تتجاوز مجرد ضبط حالة غش هنا أو هناك من بينها على سبيل المثال :
أولاً: من يتحمل مسؤولية اقتناء أجهزة أثبتت التجربة الميدانية عدم فاعليتها؟
ثانياً: هل خضعت هذه الآلات لتجارب تقنية حقيقية قبل صرف الملايين من المال العام عليها؟
ثالثاً: ألم يكن من الأجدر استثمار تلك الميزانيات الضخمة في تحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، أو دعم الأستاذ وتوفير ظروف اشتغال ملائمة له باعتباره الركيزة الأساسية لأي إصلاح؟
لأجل ذلك ،فإن ما حدث في غرف الامتحانات يؤكد حقيقة واضحة لا غبار عليها، أن الاستثمار الحقيقي يكون في بناء الإنسان قبل الآلة لأن الآلة لا يمكنها تعويض الإنسان، و إن المراهنة على الحلول التقنية المستوردة دون دراسة دقيقة لواقع البيئة المدرسية هي مراهنة خاسرة تساهم فقط في هدر الطاقات والأموال.
كما أن حماية مصداقية الشهادات الوطنية لا تمر عبر صفقات الأجهزة “المتطورة” التي تفشل عند أول اختبار، بل تمر عبر إعادة الاعتبار للمدرس، وتعميق الوعي القيمي لدى المتعلمين، واعتماد مقاربة تربوية حقيقية تعالج جذور الظاهرة لا قشورها الرقمية.
فهل ستفتح الوزارة تحقيقاً لمعرفة أين ذهبت الملايين؟ أم أن الأمر سيمر كالعادة تحت شعار “عفا الله عما سلف”؟

