الصحراء نيوز – رحال الأنصاري

أثارت الدورة التاسعة للكرنفال الدولي “بيلماون” بعمالة إنزكان أيت ملول موجة واسعة من التساؤلات داخل عدد من الفعاليات الجمعوية والمهتمين بالشأن الثقافي، بعدما طفت إلى السطح مؤشرات اعتبرها متتبعون “مقلقة” بخصوص تدبير هذه التظاهرة التي يُفترض أن تُجسد التنوع المجالي والثقافي للعمالة، لكنها في نظرهم باتت تُدار بمنطق يغلب عليه التمركز والتضييق في دائرة تنظيمية محدودة.
فكيف يمكن الحديث عن كرنفال يحمل صفة “الدولي” ويُقدَّم باسم عمالة كاملة، في الوقت الذي تظل فيه دوائر القرار والتنظيم محصورة داخل نطاق جماعة واحدة؟ وأين هي التمثيلية الحقيقية لباقي المكونات الترابية التي تساهم بدورها في دعم وتمويل هذا الحدث من المال العام؟
وتزداد علامات الاستفهام حدّة عندما يتعلق الأمر بحجم استفادة مدينة إنزكان، التي ساهم مجلسها الجماعي بمبلغ 150 ألف درهم، إضافة إلى توفير المنصة الخاصة بالسهرات، مقابل برمجة محدودة لم تتجاوز سهرتين فنيتين، ما يفتح باب النقاش حول مدى التوازن بين المساهمة المالية واللوجستيكية من جهة، والاستفادة الفعلية من جهة أخرى.
أما في ما يخص الكرنفال الرسمي، الذي يُعد أبرز لحظات التظاهرة، فإن مرور جزء محدود فقط داخل المجال الترابي لإنزكان، مقابل امتداد المسار بشكل أوسع داخل جماعة الدشيرة الجهادية، يطرح تساؤلات حول العدالة المجالية داخل تصميم البرنامج العام، وهل يتعلق الأمر بتظاهرة إقليمية شاملة فعلاً أم بإعادة تقديم نشاط محلي بواجهة إقليمية.
وعلى مستوى الأرقام، فإن مساهمة ثلاث جماعات فقط بما مجموعه 600 ألف درهم من المال العام، دون احتساب باقي الشركاء والمؤسسات الداعمة، يضع الرأي العام أمام سؤال جوهري: هل تعكس المدة الزمنية المحدودة للتظاهرة حجم هذه الاعتمادات المالية؟ وهل المردودية الثقافية والتنموية توازي فعلاً حجم الدعم المرصود، أم أن الأمر يستدعي إعادة تقييم شاملة لآليات صرف وتدبير هذا الدعم؟
وفي سياق متصل، برزت ملاحظات من فعاليات محلية بخصوص الأنشطة المرتبطة بـ“اسوياس”، حيث تم الإعلان عن تنظيمها في عدد من الأحياء، غير أن بعض الشباب من أحياء تُعد تاريخياً حاضنة لهذه الاحتفالات عبّروا عن عدم تسجيل أي أنشطة على أرض الواقع، ما يفتح باب التساؤل حول معايير الاحتساب وطبيعة التغطية الفعلية لهذه الفقرات ضمن الحصيلة الرسمية للتظاهرة.
ولم يغب عن المشهد أيضاً الجدل المرتبط بالبعد العلمي والفكري لموروث “بيلماون”، حيث يسجل متابعون غياباً لندوات أكاديمية أو لقاءات توثيقية أو فضاءات للنقاش، في وقت يُفترض أن يشكل فيه هذا التراث اللامادي موضوعاً للبحث والتأطير والتثمين، وليس مجرد فرجة موسمية معزولة عن بعدها الثقافي العميق.
إن النقاش اليوم لم يعد يقتصر على تفاصيل تنظيمية أو فنية، بل انتقل إلى مستويات أعمق تتعلق بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتمويلات عمومية يفترض أن تُوزع بعدالة، وأن يستفيد منها جميع مكونات المجال الترابي دون استثناء أو تهميش.
وأمام هذه المعطيات، تتعالى الدعوات إلى فتح نقاش مسؤول وشفاف حول طريقة تدبير هذه التظاهرة، وإخضاع أوجه صرف الدعم العمومي للتقييم والمراجعة، وربط أي تمويل مستقبلي بمعايير واضحة تتعلق بالتمثيلية، والعدالة المجالية، والنجاعة في تحقيق الأثر الثقافي والتنموي.
فـ“بيلماون” ليس مجرد حدث عابر، بل تراث جماعي أكبر من أن يُختزل أو يُحتكر، وأعمق من أن يُختزل في أرقام أو عروض موسمية. وبين طموح “الكرنفال الدولي” وواقع التساؤلات المطروحة، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الرأي العام: من يدير بيلماون؟ ومن يستفيد منه فعلياً؟ وأين تنعكس الأموال العمومية على أرض الواقع؟

