بقلم: العيرج ابراهيم
يبدو أن الحكومة المغربية لم تعد تكتفي بـ “الدولة الاجتماعية”، بل قررت الانتقال بنا إلى “الدولة السحرية”. ففي الوقت الذي يبحث فيه شباب المغرب عن “لقمة العيش” بين دروب الهجرة السرية والعلنية، وبينما تئن مدينة تارودانت العريقة تحت وطأة التهميش، خرج علينا “كاتب الدولة” الحسن السعدي باكتشاف اقتصادي سيهز بورصة “وول ستريت” قبل أن يهز “جوطية” المدينة.
و بكل ثقة “تكنوقراطية” يحسد عليها، بشرنا السيد الوزير بأن العمل في تارودانت “موجود و “شايط”، وأن الشاب “اللي بغا يخدم” يكفيه أن يشمر عن ساعديه لنصف يوم فقط، ليعود إلى منزله وفي جيبه 400 درهم! نعم، 400 درهم مقابل بضع ساعات من العمل، وهو ما يعني بلغة الحساب “البسيط” إن العامل المياوم في تارودانت قد يتجاوز دخله الشهري راتب أستاذ جامعي أو مهندس دولة، شرط ألا يغلبه “العكز” الحكومي المفترض.
المشكلة الوحيدة في هذا التصريح “الوردي” هو أن شباب تارودانت أنفسهم، الذين يقطعون مئات الكيلومترات نحو الدار البيضاء وطنجة للعمل في “الكابلاج” أو البناء مقابل أجور “السميك” (الحد الأدنى للأجور)، لم يسمعوا بهذا الكنز. ربما لأن هذه الوظائف تتطلب “رؤية” خاصة لا يمتلكها إلا من يجلس في المكاتب المكيفة بالرباط، أو ربما لأن 400 درهم التي يتحدث عنها السيد الوزير هي “عملة رقمية” جديدة لم تصل بعد إلى جيوب “الخماسة” والمياومين.
فبينما تشير تقارير مندوبية التخطيط إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب لتلامس مستويات قياسية (تجاوزت 37% في بعض الفئات)، تأتي هذه التصريحات لتضع الملح على الجرح. فبدل تقديم استراتيجية وطنية حقيقية للتشغيل، يتم اللجوء إلى “شيطنة” الشاب العاطل وتصويره في صورة “المتكاسل” الذي يرفض 400 درهم يومياً ليفضل “الحيط” أو “الحريك“.
يبقى في الأخير أن نتوجه بالسؤال للشباب المغربي حسب منطق السيد الوزير لنقول: لماذا تخاطرون بحياتكم في “قوارب الموت”؟ ولماذا تهاجرون نحو “مدن الداخل”؟ عودوا إلى تارودانت! فهناك، وحسب “الكتالوج” الحكومي الجديد، العمل بـ 400 درهم لنصف يوم، والماء متوفر (في التصريحات)، والكرامة محفوظة (في البلاغات). أما الواقع المر الذي يراه المواطن البسيط، فهو مجرد “سوء تفاهم” بصري سيتم حله في التعديل الحكومي القادم بزيادة جرعة التفاؤل!

