لو استيقظ العالم ذات صباح واكتشف كل إنسان أنه أصبح مليارديراً… فلن يصبح الجميع أغنياء، بل ستصبح الثروة نفسها بلا معنى.
في الساعات الأولى سيعمّ الذهول والفرح،
وستُفتح الحسابات البنكية كأنها أبواب كنوز، وستمتلئ الشوارع بالسيارات الفاخرة.
سيظن الجميع أنّ الحلم الإنساني قد تحقق أخيراً.
لكن بعد أيام قليلة فقط سيبدأ السؤال الأخطر في الظهور:
من سيخدم من؟
من سيقود الحافلات وينظف الشوارع ويقف تحت الشمس في الموانئ والمزارع والمصانع؟
من سيخبز الخبز ويزرع القمح ويحمل البضائع؟
حين يصبح الجميع قادرين على شراء كل شيء… لن يبقى أحد مستعداً لصناعة أي شيء.
وهنا تبدأ الحضارة في التآكل بصمت.
تنقطع سلاسل الإمداد، وتنفد المخازن، وتقفز الأسعار إلى مستويات عبثية. لأن القيمة الحقيقية ليست في الورق ولا الأرقام، بل في الإنتاج والعمل والندرة. وفي تلك اللحظة يكتشف البشر حقيقة صادمة: الثروة ليست ما تملكه وحدك، بل ما يستطيع المجتمع إنتاجه لك.
فالإنسان لم يبنِ الحضارة لأنه يستطيع فعل كل شيء، بل لأنه احتاج إلى الآخرين.
الخباز احتاج إلى المزارع، والمزارع احتاج إلى الحداد، والحداد احتاج إلى الطبيب، والطبيب احتاج إلى المعلم.
ومن هذا الاحتياج المتبادل وُلدت المدن والأسواق والدول.
وحين تختلّ هذه المعادلة يتحوّل المجتمع من شبكة تعاون إلى جزر معزولة من النجاة الفردية، ويعود العالم إلى منطق القوة بدل النظام، والخوف بدل الثقة، والعزلة بدل التبادل.
ولهذا ينبغي أن نتوقف أمام سؤال لم نجرؤ يوماً على طرحه بصدق: من بنى الحضارة فعلاً؟
بناها ذلك الرجل الذي استيقظ قبل الفجر ليخبز الخبز لمن لا يعرفه.
وذلك الفلاح الذي أمضى عمره يروي أرضاً لا يملكها ليُطعم مدناً لم يزرها.
الفقير ليس هامشاً اجتماعياً يُتحمَّل، بل هو العمود الفقري الصامت الذي يحمل كل شيء.
لكنّ الأشد إيلاماً من الفقر المادي هو فقر الاعتراف.
فقد اعتادت المجتمعات أن تُكرّم من يمتلك وتُهمّش من يعمل، وتنظر إلى الكدح كأنه عقوبة.
وحين تُفسد ثقافةٌ معنى العمل، تُفسد معه روح المجتمع بأكمله. لو أننا علّمنا أجيالنا أن قيمة الإنسان في عطائه لا في رصيده،
لكانت مجتمعاتنا أكثر تماسكاً وأكثر إنسانيةً وأقل زيفاً.
وثمة شيء يفهمه الفقير وقد لا يدركه الثري طوال حياته:
أن الكرامة الحقيقية ليست في ما تملكه،
بل في ما تُنتجه.
الرجل الذي يتعب ليُطعم عائلته يحمل في تعبه نبلاً أصيلاً.
والطفل الذي ينشأ في بيت يشحّ فيه الرغيف لكنّه يرى أباه لا يُذلّ ولا يبيع شرفه بالرخيص، يرثُ شيئاً لا توجد له قيمة في البورصات، يرثُ الشموخ.
الحضارة لم تُبنَ يوماً من فوق إلى تحت، بل دائماً من تحت إلى فوق. ومن أعماق الحقول والمناجم والمطابخ والورش الصغيرة، يصعد في كل صباح رجالٌ ونساءٌ لا يعرف أحدٌ أسماءهم، يحملون على أكتافهم دون علمٍ منهم ثقل العالم بأسره.
فإن لم نُكرمهم… فلا كرامة فينا.
تحيات المهندس
احمد ولد اعمر

