لم تعد الإقطاعية أثرًا تاريخيًا فحسب، بل تتجدّد حين تموّل الدولة سدودًا ومشاريع مائية على أراضٍ لم تُحسم ملكيتها، وهي في الواقع منسوبة لقبائل أو أُسر أو أفراد. فيتحمّل المال العام الكلفة، بينما تتحوّل المنافع إلى ملكٍ خاص.
وقد بدأ هذا النمط يتّسع ليشمل نقاط المياه نفسها: تُنشأ من الخزينة، ثم تُدار كأنها ثروة خاصة، فينتقل المورد من «منفعة عامة» إلى «احتكار فعلي».
الإشكال الجوهري هو غموض الملكية قبل الاستثمار؛ ومن ثمّ تضييع للمال العام، وتركيز للثروة، وإضعاف للثقة. والحل ليس وقف المشاريع، بل ضبطها: حسم الملكية قانونًا قبل التمويل، وربط الاستثمار بعقود مُلزمة تُحدّد نصيب المنفعة العامة، مع رقابة تُثبت تحقق النفع للعموم.
وعليه، فإن على الدولة أن تحسم عاجلًا ملكية الأراضي الزراعية، ونقاط المياه في الأراضي الرعوية، حسمًا قانونيًا لا لبس فيه؛ إذ لا تُبنى المصلحة العامة على أرضٍ مجهولة الحق، ولا تُصان الأموال العمومية بلا تحديدٍ صريحٍ للملك والانتفاع.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

