العيرج ابراهيم:
في أدبيات الاقتصاد، يُعرف “المستهلك الأخير” بأنه الطرف الذي يتحمل العبء النهائي للضريبة على القيمة المضافة، دون أن يملك القدرة على تمريرها لغيره. وبإسقاط هذا المفهوم على الحقل التربوي المغربي، وتحديداً في مشروع “مدارس الريادة”، نجد أنفسنا أمام مفارقة مقلقة: فالمتعلم اليوم هو ذلك “المستهلك” الذي يتحمل بمفرده كلفة تعثرات البرامج، ويدفع من زمنه المدرسي وتحصيله العلمي ضريبة تجارب لم تنضج مخرجاتها بعد.
– ضريبة “التعثر” في البرمجة الزمنية
لقد شهدت السنة الدراسية الجارية ارتباكاً واضحاً في برمجة امتحانات السلك الابتدائي، وهو ما اعتبره العديد من المتتبعين والآباء مؤشراً على وجود خلل في مواءمة “نموذج الريادة” مع الإيقاع الزمني الحقيقي للتعلمات. هذا التعثر ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو عبء نفسي ومعرفي يقع على عاتق التلميذ، الذي يجد نفسه في مواجهة جداول زمنية متغيرة واختبارات قد لا تعكس بالضرورة ما تم استيعابه وسط ضجيج “التحول الرقمي” و”التدريس وفق المستوى المناسب” (Tarl) .
– مخرجات ضبابية واستثمار في المجهول
إن جوهر النقد الموجه لمؤسسات الريادة يكمن في “عدم وضوح النتائج”. فبينما يتم تسويق المشروع كطفرة نوعية، تظل المؤشرات الميدانية غامضة بشأن جودة التعلمات العميقة بعيداً عن الأرقام الإحصائية التي تجيد الإدارة تقديمها. إننا بصدد استثمار ضخم في الموارد، لكن كلفة الفشل—إن حدثت—لن تتحملها الوزارة أو الأطقم الإدارية، بل سيتحملها جيل كامل من الأطفال الذين قد يكتشفون متأخراً أنهم كانوا “حقل تجارب” لنموذج مستورد لم يتم تبيئته بشكل كافٍ.
– المسؤولية الضائعة
إن تشبيه التلميذ بـ “المستهلك الأخير” للضريبة على القيمة المضافة, يحيلنا على سؤال العدالة التربوية. فالمستهلك يختار سلعة مقابل ثمن، لكن المتعلم في “مدرسة الريادة” يجد نفسه ملزماً بنمط معين من التدريس والتقويم، فإذا ما تعثرت البرمجة أو ضاعت الأهداف التعليمية، يجد التلميذ نفسه وحيداً أمام نقص التحصيل، تماماً كما يتحمل المواطن البسيط زيادة الأسعار دون أن يكون له يد في التخطيط المالي.
– خاتمة: نحو إصلاح يحمي “المستهلك الصغير”
لا يمكن بناء نهضة تعليمية على أنقاض الاستعجال والارتباك في البرمجة. إن مدارس الريادة مطالبة اليوم بتقديم كشف حساب حقيقي، لا يعتمد على الشعارات، بل على استقرار زمن التعلم ووضوح مسارات التقويم. فالتعليم ليس قطاعاً استهلاكياً، وضريبة الفشل فيه لا تُقاس بالدرهم، بل بضياع مستقبل أجيال لا تملك ترف الانتظار.

