كشف المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقد مساء أمس السبت بالجديدة، أكثر مما أعلن، عن نهاية مرحلة سياسية كاملة، بعدما حُسمت نتائجه سلفًا بتزكية محمد الشوكي بأغلبية كاسحة دون منافسة تُذكر، في أجواء طغت عليها العاطفة والدموع، مقابل غياب لافت للسياسة والنقاش الديمقراطي.
فقد حصل الشوكي على 1910 أصوات من أصل 1933، مقابل 23 ورقة بيضاء اعتُبرت ملغاة، في حين تغيب 1067 مؤتمرًا ومؤتمِرة عن محطة قُدّمت باعتبارها مفصلية في مسار الحزب. أرقام كبيرة، لكنها طرحت أسئلة أعمق حول غياب الاختيار الحقيقي، وحول معنى الإجماع حين يكون المرشح وحيدًا والنتيجة محسومة قبل فتح الصناديق.
وبدا التصويت أقرب إلى إجراء شكلي لتزكية قرار جاهز، منه إلى لحظة سياسية تنافسية تُفرز قيادة جديدة برؤية واضحة. فالمؤتمر الذي وُصف بانتقال القيادة، حمل في مضمونه طابع الوداع أكثر مما حمل روح التجديد، ليُقدّم صورة عن تنظيم يودّع مرحلة دون أن يملك تصورًا واضحًا لما بعدها.
غير أن المشهد الأكثر حضورًا لم يكن انتخاب الرئيس الجديد، بل الدموع التي سالت بسخاء من قيادات وازنة في الحزب. دموع رشيد الطالبي العلمي الذي لم يُكمل كلمته، ونبرة عزيز أخنوش التي خانها الصوت، حوّلت المؤتمر إلى ما يشبه لحظة عزاء رمزية لمرحلة “حزب أخنوش”، في مشهد إنساني مؤثر، لكنه سياسيًا مربك.
فالدموع، مهما بلغت صدقها، لا تُخفف من وطأة الغلاء الذي أنهك جيوب المغاربة، ولا تُعيد التوازن للقدرة الشرائية، ولا تُحقق وعود خلق مليون منصب شغل، ولا تُنزل معدلات البطالة المقلقة. كما أنها لا تُشكل آلية للمحاسبة، ولا تُعيد ما تبخر من المال العام، ولا تُجيب عن أسئلة الثروة وتدبير الأزمات التي ترسخت في المخيال الشعبي.
وزاد من حدة الانتقادات ما اعتُبر انتقائية في الحزن، إذ غابت هذه الانفعالات العاطفية في محطات وطنية مأساوية، كفيضانات آسفي أو زلزال الحوز، حيث كان الصمت سيد الموقف. بينما كان مجرد إعلان “الوداع” كافيًا ليفجر البكاء في قاعة المؤتمر، في صورة بدت أقرب إلى الفقد الشخصي منها إلى منطق المسؤولية السياسية.
وفي السياق ذاته، حمل الغياب الجماعي لأكثر من ألف مؤتمر دلالات لا تقل أهمية عن مشهد الدموع. فإما أنه تعبير صامت عن رفض المشاركة في مؤتمر بمرشح “مُعيَّن” لا منافس له، أو مؤشر على تراجع قدرة الحزب على التعبئة بعد انقطاع شريان اللوجستيك الذي كان يضمن الحضور الكثيف في السابق. وفي الحالتين، تبرز حقيقة واحدة: تنظيم لم يُختبر خارج ظل راعٍ واحد، وحماسة كانت مشروطة أكثر بالامتيازات منها بالاقتناع السياسي.
وهكذا، انتهى المؤتمر الاستثنائي بأرقام قياسية بلا منافسة، ودموع غزيرة بلا أثر اجتماعي، وكراسٍ فارغة كشفت هشاشة تنظيمية حاولت الخطب تغطيتها. لم يكن المؤتمر تتويجًا لقيادة جديدة بقدر ما كان إعلانًا غير مباشر عن نهاية مرحلة أُدير فيها الحزب بمنطق الوفرة، وحين جفّ المنبع، لم يبقَ سوى العاطفة. والعاطفة، مهما كانت صادقة، لا تصنع حزبًا، ولا تقود حكومة، ولا تُقنع ناخبًا بأنه أمام مشروع سياسي متماسك، لا مجرد ذكرى تُذرف عليها الدموع ثم تُطوى.

