العيرج ابراهيم:
تشهد الحدود الشرقية المغربية منذ مطلع عام 2026 تصعيداً غير مسبوق، تجلّى في سلسلة من التحركات الجزائرية التي وصفتها المصادر الأمنية والإعلامية المغربية بـ”الاستفزازية” و”الأحادية”. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة ملفاً حساساً ظلّ لعقود محكوماً باتفاقيات ومعاهدات لم تُحترم بالكامل.
في منطقة “إيش” بإقليم فجيج، حاولت وحدات من الجيش الجزائري التوغل داخل الأراضي المغربية، واضعة علامات حجرية بيضاء في محاولة لتغيير الحدود بشكل منفرد. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل سُجل إطلاق أعيرة نارية في الهواء وتخريب ممتلكات بسيطة تعود لفلاحين مغاربة، ما أثار حالة من القلق بين السكان المحليين.
وقبل هذه الأحداث بأيام قليلة، شهدت بوعرفة – فجيج مأساة مؤلمة حين قُتل ثلاثة مواطنين مغاربة برصاص الجيش الجزائري واعتُقل رابع كان برفقتهم. الجزائر بررت الواقعة بمكافحة التهريب، بينما اعتبرتها فعاليات حقوقية وسياسية مغربية “إعداماً ميدانياً” خارج إطار القانون.
هذه التحركات لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي والسياسي الأوسع. فملف منجم الحديد “غار جبيلات” يظل محورياً، حيث شرعت الجزائر في استغلاله بشكل أحادي بالتعاون مع شركات أجنبية، في خرق واضح لاتفاقية 1972 التي نصّت على الاستغلال المشترك مقابل اعتراف المغرب بالحدود. هذا التنصل دفع أصواتاً مغربية إلى المطالبة بمراجعة الاتفاقية وإعادة طرح ملف “الصحراء الشرقية المغربية”.
المغرب، من جانبه، اختار الرد بسياسة “الحزم الهادئ”. فقد عززت القوات المسلحة الملكية انتشارها الدفاعي في المناطق الحدودية، وحرصت السلطات المحلية على طمأنة الساكنة، فيما تحرك البرلمان لمساءلة الجزائر دولياً بشأن الانتهاكات الحقوقية الأخيرة.
القراءات التحليلية ترى أن الجزائر تسعى من خلال هذه الاستفزازات إلى جرّ المغرب نحو مواجهة عسكرية وتصدير أزماتها الداخلية، غير أن الرباط ما تزال متمسكة بضبط النفس مع الحفاظ على سيادتها الترابية كاملة.
فالحدود الشرقية المغربية اليوم ليست مجرد خط جغرافي، بل أصبحت مرآة تكشف ارتباك الجزائر أكثر مما تُظهر قوةً عسكرية. فكل رصاصة طائشة وكل حجر وُضع على أرض مغربية هو شاهد على فشل سياسة الاستفزاز، فيما يظل المغرب ثابتاً في موقفه، مدافعاً عن سيادته ومصالحه، ومؤكداً أن ضبط النفس ليس ضعفاً بل استراتيجية واعية.

