عبد الهادي بودى
في مباراة ستظل محفورة في ذاكرة كرة القدم العربية، حقق المنتخب المغربي فوزًا لافتًا ضد المنتخب الأردني، عكس قوة شخصيته ونضج اختياراته التكتيكية، مؤكّدًا أن الانتصار يُصنع بالعقلية الجماعية والانضباط قبل أي اعتبارات أخرى. المنتخب، بقيادة المدرب طارق السكتيوي، قدّم أداءً متكاملًا جمع بين القتالية، التنظيم، والإيمان بالحسم حتى آخر لحظة، موجّهًا رسالة واضحة مفادها أن الغرور لا يصنع الألقاب.
وشهدت المواجهة حضورًا هجوميًا مميزًا تُرجم إلى أهداف جميلة عكست انسجامًا فنيًا وضغطًا متواصلًا على الخصم، حيث بدا واضحًا أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة عمل جماعي منظم وجرأة هجومية محسوبة، أعادت للكرة المغربية إشعاعها وأشعلت حماس الجماهير داخل المدرجات وخارجها.
وعندما اتجهت المباراة نحو دقائقها الأخيرة، واعتقد كثيرون أن التعادل أو الخسارة باتا أقرب، رفض المنتخب المغربي الاستسلام، ليأتي هدف الدقيقة 89 ويقلب كل الحسابات. هذا الهدف شكّل لحظة مفصلية لم تكن مجرد تعديل للنتيجة، وإنما تعبير صريح عن صلابة ذهنية وقدرة على كسر عقدة اللحظات القاتلة التي لازمَت الفريق في بطولات سابقة.
ومع امتداد اللقاء إلى الأشواط الإضافية، واصل المنتخب المغربي فرض حضوره البدني والذهني دون تراجع، حيث ارتفع التركيز وظهر الاندفاع المنظم، لتُترجم القراءة التكتيكية الجيدة لطارق السكتيوي إلى تفوق ميداني وانتصار مستحق عكس نضج المجموعة وقدرتها على إدارة التفاصيل الحاسمة.
وأبرز هذا اللقاء نجاح المدرب السكتيوي في تصحيح اختلالات رافقت المشاركات السابقة، من بينها التراجع غير المبرر بعد التقدم أو التأخر في النتيجة، والتردد في المجازفة الهجومية، وفقدان التركيز في اللحظات الأخيرة، إضافة إلى غياب الحلول البديلة عند تغيّر مجريات اللعب. قيادة تقنية واضحة وخطة محكمة لكل السيناريوهات أعادت الثقة للاعبين وأسهمت في قلب الموازين لصالح المنتخب المغربي.
وفي السياق ذاته، خطف عبد الرزاق حمد الله الأضواء بأداء مميز جسّد تحرره من عقدة السنوات الماضية، حيث قدّم إضافة نوعية بخبرته وتجربته، وشارك بشكل حاسم في صنع الانتصار، مسكتًا الانتقادات المتسرعة وغير المنصفة. ما قدّمه اللاعب حمل بعدًا ذهنيًا واضحًا قبل أن يكون فنيًا، وترك بصمة قوية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية.
ولم يأت هذا الفوز بمعزل عن قوة المنافس، إذ قدّم منتخب الأردن مباراة منظمة وندية، فرض خلالها ضغطًا حقيقيًا ومنافسة قوية، ما منح الانتصار المغربي قيمة مضاعفة، وأضفى على البطولة العربية مستوى عالٍ من المتعة والفرجة.
ما تحقق في هذه المباراة الحاسمة من منظور كرة القدم الوطنية هو درس عملي في الانضباط، الروح القتالية، وعدم الاستسلام حتى آخر ثانية. منتخبنا الوطني أثبت أن العقلية الجديدة والعمل الجماعي يشكّلان الأساس الحقيقي للنجاح، وإذا استمر هذا النهج، فإن الإنجازات المقبلة ستكون مسارًا ثابتًا في تاريخ الرياضة المغربية.


