في كل زاوية من هذا الوطن، تتردد أسماء شهداء بذلوا أرواحهم فداءً لوحدته الترابية، تاركين خلفهم أسرًا تستحق منا جميعًا وقفة إجلال وتقدير. وبينما تنعم فئات عديدة بمكتسبات مختلفة، تجد الغالبية العظمى من أرامل وأيتام حرب الصحراء أنفسهم في مواجهة قاسية مع واقع اقتصادي مرير، يتفاقم بسبب حرمانهم من حق لطالما اعتبر بمثابة “طوق نجاة” للكثيرين: مأذونيات النقل.
عقود مضت، ولا يزال صداها يتردد في أزقة النسيان، حيث يئن العديد من أفراد أسر هؤلاء الأبطال تحت وطأة الحاجة والعوز. المفارقة المؤلمة تكمن في أن قطاع النقل، الذي تدر مأذونياته أرباحًا طائلة، يشهد اشتغال العديد من الأشخاص في وضع غير قانوني، مستفيدين من ثغرات وتجاوزات، بينما تُغيب عنه الفئة الأحق والأجدر بالرعاية والاهتمام: عائلات من ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل هذا الوطن.
كيف يعقل أن يستمر هذا الوضع؟ كيف يمكن لضمائرنا أن تستريح ونحن نشاهد أرامل وأيتامًا يكابدون صعاب الحياة، بينما تذهب فرص تحسين ظروفهم المعيشية إلى آخرين؟ إنها مفارقة صارخة تستدعي وقفة تأمل ومراجعة للسياسات المعمول بها.
إن تفويت مأذونيات النقل لأسر شهداء حرب الصحراء وذويهم ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو واجب وطني وتقدير مستحق لتضحياتهم الجليلة. هذه المبادرة لن تساهم فقط في تحسين أوضاعهم المادية وتوفير حياة كريمة لهم، بل سترسل أيضًا رسالة قوية مفادها أن الدولة والمجتمع لا ينسيان أبناءهم البررة وأسرهم التي قدمت أغلى التضحيات.
إنها دعوة صادقة إلى الجهات المعنية، لإعادة النظر في آليات توزيع مأذونيات النقل، وتخصيص حصة وازنة منها لأسر شهداء حرب الصحراء المغربية. إنها فرصة لتصحيح مسار طالما شابته الاختلالات، وفرصة لترجمة قيم الوفاء والتقدير إلى أفعال ملموسة.
فلنجعل من مأذونيات النقل جسرًا نحو حياة أفضل لأسر هؤلاء الأبطال، ولنجعل من هذا القرار علامة فارقة تؤكد أن تضحياتهم لم تذهب سدى، وأن الوطن يكافئ أبناءه المخلصين وأسرهم التي تحملت أعباء الدفاع عنه. إنها مسؤوليتنا جميعًا، ولنكن في مستوى هذه المسؤولية.

