تتجه بوصلة النقاش العمومي مؤخراً نحو واقعة أثارت استياءً واسعاً، عقب صدور سلوك غير لائق من والي جهة كلميم وادنون الناجم أبهاي تجاه عبد الله النحامي، القيادي في حزب العدالة والتنمية والنائب الثاني لرئيس جماعة كلميم، دون أن يصدر موقف واضح من وزارة الداخلية.
هذا الصمت، وإن كان مُبرَّراً في نظر البعض بدواعٍ إدارية أو مسطرية، إلا أنه يُفهم لدى آخرين كرسالة خاطئة تفيد بأن “المعيَّن” يظل فوق المحاسبة، بينما المنتخب يبقى الحلقة الأضعف، المُصنَّف دائماً كـ”جفاف” يُمسح فيه كل خطأ أو تجاوز.
ألسنا أمام خلل بنيوي يضرب مبدأ المساواة في الصميم؟
لو كان ما صدر عن الوالي قد بدر من وزير أو رئيس جهة أو جماعة لاهتز الرأي العام وأُطلقت الدعوات للتحقيق الفوري، ولربما شُغلت برامج النقاش وامتلأت الصفحات ببيانات الإدانة. فلماذا هذا الصمت عندما يكون المسؤول مُعيّناً؟ وهل يُعقل أن يظل وزن القانون مرهوناً بطبيعة صفة الفاعل لا بحجم التجاوز نفسه؟
في المقابل، لا يُنكر أحد أن وزارة الداخلية سبق أن اتخذت قرارات صريحة في حق منتخبين تورطوا في ملفات فساد أو سوء تدبير. قرارات خلقت صدى إيجابياً لدى الرأي العام، ورسخت قناعة بأن لا أحد فوق المساءلة. لكن استمرارها في هذا النهج يقتضي أن تشمل مظلّة المحاسبة كل من يسيء استعمال السلطة، سواء وصل إليها عبر التعيين أو الانتخاب.
أما الإبقاء على منطق الانتقائية، فيُكرّس فهماً مغلوطاً مفاده أن المنتخبين وحدهم مطالبون بالتحلي بـ”الأخلاق السياسية”، بينما يستطيع بعض المعينين، ولو تجاوزاً، المرور بين القطرات دون أن تبتلهم رقابة أو محاسبة.
ما يحتاجه المغرب اليوم هو إعادة بناء علاقة ثقة متوازنة بين المؤسسات والمواطنين. ولا يمكن إنجاز ذلك إلا عبر ثقافة سياسية جديدة، تُعلي من شأن القانون، وتقطع مع فكرة “المحمي” و”الضحية”. فالقانون ـ إذا وُجد ـ يجب أن يكون سيفاً مسلطاً بالعدل على الجميع، لا على طرف دون آخر.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تدخل واضح من وزارة الداخلية؛ توبيخ الوالي المعني ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما مبادرة رمزية لإعادة الأمور إلى نصابها، ورسالة بليغة مفادها أن المؤسسات لا تصمت حين تُهان القيم الديمقراطية أو يُستخف بمنتخَبين نالوا ثقة المواطنين عبر صناديق الاقتراع.
الأمر يتعلق إذن بمسار بناء دولة الحق، حيث يخضع الكل لمسطرة واحدة، ويتساوى المواطنون والمسؤولون أمام القانون، دون استثناء.
فإن كنّا فعلاً نؤمن بالمحاسبة، فلتكن قاعدة لا استثناء فيها؛ وإن كنا نؤمن بحكامة المؤسسات، فلتُجسَّد عبر قرارات تعبر عن روح العدالة والإنصاف.
اليوم، الكرة في ملعب الداخلية.
ومدى جرأتها في التعاطي مع هذه الواقعة سيكون اختباراً حقيقياً لصدق شعار “لا أحد فوق القانون”.
أما التمادي في الصمت، فلن يخدم سوى فكرة مفادها أن البعض خُلق ليُحاسِب، والبعض الآخر خُلق ليُصان… وهي فكرة يجب أن تُدفَن إلى الأبد.

