توفيق السبيحي
شكّل اعتماد مجلس الأمن، مؤخراً، لمقاربة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية تحوّلاً حاسماً في مسار قضية الصحراء المغربية، ونقطةً مضيئةً في مسار طويل من الدبلوماسية الهادئة والفاعلة، التي أثمرت وضوحاً متزايداً في المواقف الدولية لصالح الوحدة الترابية للمملكة.
القرار الأممي جاء تتويجاً لعمل سياسي-دبلوماسي متراكم، لعبت فيه المملكة بقيادة جلالة الملك دوراً أساسياً، فيما عرفت فترة حكومة الدكتور سعد الدين العثماني ديناميةً لافتة أسهمت في ترسيخ الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، عبر خطوات عملية وذات رمزية قوية.
قوة الدبلوماسية المغربية في عهد العثماني
لم تكن مرحلة العثماني امتدادا تقليديا لسياسة خارجية راسخة، وإنما تميزت بقدرة على التقاط التحولات الدولية وتوظيفها لخدمة المصلحة الوطنية، فقد تبنّت الحكومة، بقيادة وزارة الخارجية، رؤيةً مبنية على الإقناع والتواصل الاستراتيجي، ما تُوّج بفتح مجموعة من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة في ظرف وجيز.
وقد شكل هذا التوجه تصويتاً دولياً عملياً لصالح مغربية الصحراء؛ فتوالي افتتاح القنصليات من قبل دول عربية وإفريقية ثم من آسيا وأمريكا اللاتينية عكس إدراكاً دولياً متصاعداً بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الحلّ الواقعي والوحيد للنزاع.
فرح وبهجة في كل جهات المملكة
تزامناً مع اعتماد القرار الأممي، ومباشرة بعد الاستماع للخطاب الملكي السامي، عمّت مشاهد الفرح والبهجة مختلف أقاليم وجهات المملكة، حيث خرج المواطنون في احتفالات كبرى، رافعين الأعلام الوطنية ومرددين شعارات تجسد اجتماعاً وطنياً صادقاً حول مغربية الصحراء.
هذه اللحظة أثبتت مرة أخرى أن وحدة المغاربة حول قضاياهم الكبرى لا تتزعزع، وأن الارتباط العاطفي والوجداني بالصحراء المغربية هو حقيقة راسخة تُعبّر عنها الأجيال المتعاقبة بنفس القوة والحماس.
قرار مجلس الأمن… نقطة تثبيت لا نقطة انطلاق
جاء قرار مجلس الأمن ليؤكد الاتجاه الدولي الواضح، الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتطبيق.
لقد انحسر الحديث عن خيار الاستفتاء باعتباره مقترحاً متجاوزاً، وصار الحكم الذاتي هو الإطار العملي الذي يحظى بتأييد القوى الكبرى، ممهداً لمرحلة جديدة تنتقل فيها المملكة من الدفاع عن تصورها إلى تثبيت مكاسبها الواقعية والتنموية في الأقاليم الجنوبية.
قوة الدبلوماسية الحزبية والترافع المدني
إلى جانب الجهد الرسمي، برزت الدبلوماسية الحزبية والترافع المدني كعنصرين مكملين في الدفاع عن القضية الوطنية داخل المحافل الوطنية والدولية.
فقد نجحت الأحزاب الوطنية والفعاليات المدنية في تقديم خطاب موحّد، يشرح الأبعاد التاريخية والقانونية والتنموية للقضية، ويسهم في تعزيز حضورها في الواجهات الدولية، ما زاد من إقناع الرأي العام العالمي بعدالة الموقف المغربي.
القنصليات… الاعتراف يتحوّل إلى واقع
لا يُمكن فهم أهمية افتتاح قنصليات بالعيون والداخلة خارج إطار الاعتراف الفعلي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وقد عكست هذه الخطوة بُعداً عملياً جديداً في مسار التثبيت الدولي للمقاربة المغربية، كما أكدت نجاح السياسة الخارجية للمملكة خلال حكومة العثماني في بناء تحالفات واسعة، أثمرت حضوراً دبلوماسياً قوياً على الأرض.
روح المسيرة الخضراء تُؤتي ثمارها
اليوم، تُثبت الأحداث أن روح المسيرة الخضراء لا تزال نابضة في وجدان الأمة، وأن ثمارها تستمر في التقدم عبر هذا الإجماع الوطني الصادق، والتفاف الشعب حول وحدته الترابية.
تحية إجلال وإكبار لكل المرابطين في الثغور، ممن يسهرون على أمن الوطن واستقراره، ورحمةً ومغفرةً لكل شهداء الوطن الأبرار الذين بذلوا أرواحهم دفاعاً عن وحدة التراب وسيادة البلاد.
اختبار ما بعد النصر
يظل التحدي اليوم هو تحويل هذا النصر إلى دينامية مستدامة، تستكمل مشاريع التنمية في الأقاليم الجنوبية، وترسّخ مشاركة الساكنة في التدبير المحلي، بما ينسجم مع روح الحكم الذاتي الذي تتبناه المملكة.
إن ربح معركة الاعتراف مبادرة تاريخية، لكنها تشكّل بداية لمسار تنموي جديد هدفه تجسيد الحل المغربي واقعياً وسياسياً، وبناء نموذج ناجح في الحكامة المحلية والتنمية البشرية.
لقد أثبت المغرب مجدداً أن الرؤية الواقعية للحكم الذاتي تحت سيادته هي الحلّ الوحيد القادر على استيعاب تعقيدات النزاع.
ومع استمرار مسيرة النماء والتقدم تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، تتعزز القناعة بأن القضية تتجه نحو مآلاتها الطبيعية، صحراء مغربية بحكم الواقع والقانون، وبدعم دولي وشعبي يتسع يوماً بعد يوم.

