في ظل تزايد الفجوة بين المواطن والمؤسسات، تتعمّق أزمة الثقة التي عبّر عنها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش قائلاً: “فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عدداً من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي… وإذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”.
هذا المقتطف الذي اختصر جوهر الأزمة، عاد إلى الواجهة مع احتجاجات “جيل Z” في شتنبر 2025، والتي جسّدت حالة الغضب الشعبي من تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية والحزبية، مطالبة بتدخل ملكي عاجل لإصلاح قطاعات التعليم، والصحة، والشغل، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة المجالية. ورغم الجهود المبذولة والمشاريع المنجزة، ما يزال أثرها ضعيفاً على الحياة اليومية للمواطنين، في “مغرب يسير بسرعتين”.
أزمة ثقة متراكمة
تعيش المؤسسات التمثيلية والترابية والجهوية أزمة ثقة غير مسبوقة، بسبب غياب الكفاءة وتفشي المحسوبية وتضارب المصالح. هذا الواقع رسّخ لدى المواطنين شعورًا بـ”الفراغ المؤسساتي” و”انعدام الجدوى” من المشاركة السياسية.
كما تم تعطيل آليات الديمقراطية التشاركية، مثل الهيئات الاستشارية داخل المجالس الترابية، التي كان يُفترض أن تكون جسراً للتواصل بين الشباب وصناع القرار. تجربة الكاتب، كعضو في الهيئة الاستشارية للشباب بجهة الرباط سلا القنيطرة، تكشف أن هذه الهياكل بقيت “حبراً على ورق” بسبب غياب الإرادة السياسية لتفعيلها.
مشهد سياسي منفرّ
من جهة أخرى، يشهد المشهد السياسي المغربي حالة من الارتباك والتراجع عن الأدوار الحقيقية للأحزاب، التي كان يفترض أن تكون فضاءً لتأطير المواطنين وتكوين القيادات الشابة.
فالتجاذبات، والتحكمات الداخلية، وتبادل الاتهامات، وغياب الرؤية التنظيمية والإبداع في التواصل، كلها عوامل ساهمت في عزوف الشباب عن السياسة. كما انسلخ الفعل السياسي عن جوهره الأخلاقي، حيث أصبحت المصلحة الشخصية والفئوية تغلب على المصلحة العامة، مما جعل السياسة في نظر كثيرين مجالاً للريع لا للإصلاح.
جيل Z… رجة وعي وطلب للثقة
احتجاجات “جيل Z” لم تكن مجرد غضب عابر، بل تعبير عن وعي سياسي جديد، وعن رغبة الشباب في استعادة الثقة وبناء علاقة جديدة مع الدولة تقوم على الاحترام، والمحاسبة، والعدالة الاجتماعية.
الملك محمد السادس أكد في خطبه أن الشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، “يبهر العالم بإنجازاته غير المسبوقة”، داعيًا إلى تمكينه من فرص حقيقية للإبداع والمشاركة.
نحو مغرب الجدية والمسؤولية
لقد شدد الملك في خطاب الذكرى الرابعة والعشرين لعيد العرش على أن الجدية يجب أن تكون مذهباً في الحياة والعمل، تشمل السياسة والإدارة والاقتصاد، وترتبط بالمحاسبة والحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص.
وهذا التوجه يمثل خريطة طريق لتجاوز “أزمة الثقة” وبناء مغرب المؤسسات الذي يليق بطموحات الأجيال الجديدة.
إعادة بناء الثقة ضرورة وطنية. فـالثقة تُبنى ولا تُمنح، ولا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا سياسة بدون أخلاق. إنها معركة من أجل مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومعركة لاستعادة جوهر السياسة النبيل كما أراده الملك، وكما يحلم به شباب هذا الوطن.

