أصدر اتحاد المقاولات الصحفية بجهات الصحراء الثلاث دراسة معمقة حول واقع المؤسسات الصحفية بجهة كلميم وادنون، مؤكداً أن القطاع يعيش أزمة هيكلية ومهنية حادة تهدد مستقبل الصحافة المحلية. وأوضحت الدراسة، التي سيتم نشرها كاملة مساء اليوم، أن المؤسسات الصحفية تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية وتشريعية تعيق قدرتها على العمل بحرية وفعالية. وحسب الدراسة، فإن المؤسسات الصحفية تم تصنيفها إلى فئتين، الأولى تضم مؤسسات قانونية ومهيكلة تحترم إلى حد ما شروط المهنية، بينما الثانية تضم مؤسسات تعاني من اختلالات مرتبطة بالأقدمية والأهلية والاستقلالية، إضافة إلى غياب المؤهلات العلمية الدقيقة، واعتماد بعضها على شهادات مشكوك في قيمتها.
وأشارت الدراسة إلى أن المؤسسات، رغم جهودها لتغطية الأخبار المحلية والوطنية والدولية، تصطدم بغياب حق الولوج إلى المعلومات الدقيقة، وبنزعة متعمدة لدى المسؤولين والمنتخبين لتفادي إصدار بلاغات للرأي العام. كما أن محدودية الموارد انعكست على القدرة التطويرية والتأثيرية لهذه المؤسسات. وكشفت الدراسة عن غياب نموذج اقتصادي مستدام، حيث تعاني المؤسسات من انعدام مداخيل قارّة وعقود إشهار رسمية، فضلاً عن الإقصاء من سوق الإعلانات الوطنية، مع غياب شبه تام للحماية الاجتماعية والصحية، وتراكم الديون ومستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وأكدت الدراسة أن ضعف البنية التحتية الصحفية، غياب مطبعة جهوية، وعدم الاستثمار في الإعلام المحلي، إلى جانب اعتماد المجالس المنتخبة على الإعلام الرسمي وإقصاء المقاولات المحلية من النشاطات الإشهارية، يزيد من هشاشة القطاع. كما تضطر بعض المؤسسات لقبول تغطية مهرجانات أو أنشطة محلية بتعويضات زهيدة، في حين تُخصص ميزانيات للإعلام المحلي لا تصل إلى المقاولات الصحفية الحقيقية، ويُستحدث أشخاص بصفة صحفيين لتلقي الأجور من ميزانية المياومين، وسط غياب أي لقاء تواصلي للسلطات مع الإعلام منذ عشر سنوات، وتراجع ملحوظ في تفاعل المسؤولين مع المحتوى الصحفي الجاد، مما يرفع من منسوب الاحتقان الاجتماعي.
وحذرت الدراسة من أن المؤسسات الصحفية في الجهة مهددة بالإفلاس الجماعي قبل نهاية السنة الجارية، وهو ما سيدفع عدداً من الصحفيين إلى مغادرة المهنة بحثاً عن مورد عيش بديل. وأكدت الدراسة أن الصحافة بالجهة تُعد الأكثر هشاشة بالمملكة، حيث يعمل الصحفيون في بيئة غير آمنة اجتماعيًا وصحيًا، وفي ظل ازدواجية المعايير من بعض الهيئات الرسمية التي لا تعترف بالقطاع كجزء من “الصحراء”. وأضافت الدراسة أن الواقع الصحفي في موريتانيا المجاورة يشكل نموذجاً إيجابياً، حيث تعمل المؤسسات بحرية مع توفير ضمانات اجتماعية تصل إلى حد دعم أرامل وأيتام الصحفيين، في حين يعيش الصحفي بجهة كلميم وادنون بلا حماية اجتماعية أو أمل في التغيير.
الدراسة شملت 18 مؤسسة صحفية، وأظهرت أن لا صحفي يتقاضى أجراً قاراً، بينما تفرض بعض المقاولات على الموظفين الاشتراك في الضمان الاجتماعي مقابل الحصول على بطاقة الصحافة. واستمرار هذا الوضع ينذر بانقراض الصحافة المهنية، وضرب حق الساكنة في إعلام حر ومسؤول، مع نهاية محتملة لمؤسسات صحفية رائدة في الترافع عن الشأن العام والقضايا الوطنية.

