بقلم: العيرج ابراهيم
لم تكن خريطة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مجرد أرقام تُطوى في أرشيف وزارة الداخلية، بل كانت مسرحاً لتحولات سوسيولوجية وسياسية عميقة تعيد كتابة قواعد اللعبة الديمقراطية في المغرب من أساسها. وسط صخب الكبار وصراع الآلات الحزبية الضخمة، انبثقت من قلب الأطلس، وتحديداً من إقليم ميدلت، ظاهرة استثنائية تجسدت في فوز الشاب عبد العزيز بريك، المعروف بـ”أسامة بريك”. هذا الانتصار المدوي لم يكن مجرد عبور عابر لشاب قادم من “الهامش الرقمي والمكاني”، بل كان بمثابة زلزال هادئ أسقط أسماء تقليدية عريقة وأربك حسابات “الأعيان”، ليطرح السؤال الأهم: ألا يمكن لهذه التجربة أن تشكل خارطة طريق نموذجية لتغيير الوجوه القديمة واكتساح المجالس الجماعية والجهوية المقبلة؟
فوطيلة عقود، عانت الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة في الهامش المغربي من متلازمة “الديناصورات السياسية”؛ وهي نخب كلاسيكية اتخذت من العمل السياسي ريعاً ومكسباً شخصياً، لا يزورون الدوائر إلا مواسمياً قبيل الاقتراع. لكن فوز أسامة بريك – الذي راكم رصيداً ميدانياً ورقمياً من قلب معاناة الناس وهمومهم البسيطة – أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الناخب المغربي، حتى في أقاصي الجبال والمناطق النائية، قد سئم الخطابات الخشبية والوعود الزائفة. لقد كسر هذا الشاب، بحصوله على نسبة مئوية محترمة وأصوات تجاوزت عتبة الـ 32 ألفاً، أسطورة “المال الانتخابي” و”العائلات النافذة”، وأثبت أن القرب الحقيقي وامتلاك لغة صريحة تفضح الاختلالات دون مساحيق تجميل، أقوى بكثير من كل أجهزة التسويق الحزبية البائدة.
وإذا كانت الانتخابات التشريعية قد أفرزت هذا الاختراق النوعي في قبة البرلمان، فإن الاستحقاقات الجماعية والجهوية القادمة تظل هي المحك الحقيقي والميدان الأرحب لتعميم هذه العدوى الإصلاحية، فالمجالس الجماعية هي التماس المباشر اليومي بالمواطن، ومنها تنطلق مشاريع القرب، رخص البناء، تعبيد الطرق، تهيئة الأحياء، والخدمات الاجتماعية الأساسية. إن استلهام نموذج “ميدلت” في الانتخابات المحلية يقتضي كسر احتكار المجالس وتحرير الجماعات المحلية من قبضة عائلات وأشخاص عمروا طويلاً في الكراسي دون أثر تنموي يذكر، والرهان على كفاءات الهامش والفعاليات الجمعوية والحقوقية التي تحفظ دروب قراها وأحيائها، فضلاً عن جعل صناديق الاقتراع مقصلة لمن هجروا الشأن المحلي وحولوه إلى مصالح ضيقة.
و
بقدر ما حمل فوز أسامة بريك من رسائل أمل وفرح شعبي جارف، فإنه يضع جيل الشباب الجديد أمام مسؤولية تاريخية جسيمة، فالانتقال من فضاء “المحتوى أو الخطاب الانتقادي” و”المواقع” إلى فضاء “المؤسسات والواقع” يتطلب الصبر، التكوين المستمر، القدرة على التشريع والمرافعة، والتحصن ضد إغراءات الاحتواء والتدجين أو السقوط في فخ الوعود غير القابلة للإنجاز. الشباب الطامح لقيادة المجالس الجماعية غداً مطالبون بإثبات أنهم ليسوا فقط غاضبين يستثمرون في سخط الشارع، بل هم بدائل مؤسساتية قادرة على التسيير العقلاني والتدبير النظيف.
إن تجربة ميدلت ليست صدفة عابرة، بل هي إعلان وفاة مبكر لزمن “السياسي الموسمي” وبداية ميلاد وعي انتخابي جديد عنوانه الأبرز أن من رحم المعاناة يولد التغيير. وإذا ما التقطت الطاقات الشابة في مختلف جهات المملكة هذه الإشارة، فإن الانتخابات الجماعية المقبلة ستكون لا محالة محطة لتطهير الشأن المحلي، وطي صفحة وجوه استمرأت الفشل، لتبزغ شمس مرحلة ديمقراطية جديدة تؤمن بأن السياسة خدمة وليست غنيمة.