تكفي صورة واحدة مقتبسة من فيديو لتختزل حجم المأساة التي يعيشها وطننا… وطن جريح، نعم جريح بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
ظلوا لسنوات يحذروننا من تكرار سيناريوهات سوريا وليبيا واليمن، وبحكمة قيادة البلاد لم ننزلق إلى تلك الفوضى.. لكننا اليوم أمام مشهد لا يقل إيلاما، عنوانه طفل قاصر يهرب من وطنه، ويتوسل ألا يُعاد إليه..
هذا الطفل لم يعش كل المراحل التي عاشها جيلنا، لكنه يرى نتائجها.. فتح عينيه على واقع معين، وحمل هاتفا ذكيا جعله يرى في دقائق كيف يعيش أطفال إسبانيا وأوروبا، ثم عاد لينظر إلى واقعه، فكانت المقارنة قاسية..
المشهد الأكثر إيلاما ليس فقط أنه حاول العبور، بل أنه احتمى بجندي ينتمي إلى دولة ما تزال تحتل سبتة ومليلية، الدولة نفسها التي قصفت أجدادنا بالغازات السامة في الريف.. ومع ذلك، وقف الطفل متوسلا ذلك الجندي ألا يعيده إلى بلده.. أي رسالة أقسى من هذه؟ وأي جرس إنذار أعلى صوتا من دموع طفل يرى أن مستقبله يوجد خارج وطنه؟
هذه الصورة لا تحاكم الطفل، بل تحاكمنا جميعا.. تحاكم السياسات، وتحاكم المدرسة التي لم تستطع أن تجعل الانتماء للوطن مقرونا بالأمل، وتحاكم كل من اعتقد أن ترديد شعارات الإنجازات يكفي لإقناع جيل يعيش المقارنات اليومية عبر شاشة هاتفه..
فماذا سيقول أصحاب خطاب التخوين اليوم؟ هل سيقال إن هذا الطفل أيضا حركه “الطابور الخامس”؟ وهل سيُتهم هو الآخر بأنه ضحية خطاب “العدمية”؟ الحقيقة أبسط وأقسى من كل هذه الروايات؛ فالواقع هو الذي يتحدث، وليس الصحافيون ولا المعارضون ولا منشورات مواقع التواصل..
أمام صورة هذا الطفل، يصبح الحديث عن المؤامرات، أو البحث عن شماعات خارجية، ترفا لا يغير شيئا.. لقد حان الوقت لأن ننظر إلى المرآة، وأن نمارس نقدًا ذاتيا شجاعا.. فالسؤال الحقيقي لم يعد.. من دعا إلى الهجرة؟ بل لماذا أصبح طفل قاصر يعتقد أن مستقبله خارج وطنه، ويتوسل ألا يعود إليه؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نواجهه بصدق، لأن الأوطان لا تُقاس بعدد الخطب ولا بحجم الدعاية، وإنما بقدرتها على أن تجعل أبناءها يتمسكون بها، لا أن يتشبثوا بأي فرصة للفرار منها..
العميد حسن المولوع

