ملاحظة الانتخابات في المغرب قضية أكثر إلحاحًا لما لها من تأثير مباشر على مصداقية الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وعلى صورة المغرب الحقوقية داخليًا وخارجيًا.
*مولاي أحمد الدريدي
ملاحظة الانتخابات في المغرب: هل يمكن ضمان المصداقية في ظل اختلالات المؤسسة المكلفة بحقوق الإنسان؟
مع اقتراب موعد انتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر في 23 شتنبر 2026، لم يعد النقاش مقتصرًا على التنافس السياسي أو جاهزية الإدارة الانتخابية، بل أصبح يتمحور حول أحد أهم الضمانات الديمقراطية: الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات.
فنزاهة الانتخابات لا تُقاس فقط بسلامة الاقتراع يوم التصويت، وإنما كذلك بثقة المواطنين والفاعلين السياسيين في الجهة التي تتولى مراقبة العملية الانتخابية وتقييمها. ومن هنا، فإن أي لبس يتعلق بشرعية أو استقلالية أجهزة الملاحظة قد ينعكس مباشرة على مصداقية النتائج وعلى صورة المؤسسات الدستورية نفسها.
إعلان يثير أكثر من سؤال
في هذا السياق، أعلنت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة العيون–الساقية الحمراء تنظيم دورة تكوينية يومي 24 و25 يوليوز 2026، في إطار التحضير للملاحظة المستقلة والمحايدة لانتخابات مجلس النواب.
غير أن هذا الإعلان أعاد إلى الواجهة سؤالًا قانونيًا ومؤسساتيًا بالغ الأهمية:
هل يملك المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية، في وضعيتهما الحالية، الشرعية القانونية والمؤسساتية الكاملة للاضطلاع بمهمة ملاحظة الانتخابات؟
فبحسب عدد من المتابعين للشأن الحقوقي، يعيش المجلس الوطني لحقوق الإنسان وضعية انتقالية، حيث لم تستكمل بعد مختلف هياكله كما ينص عليها القانون، كما أن عدداً من اللجان الجهوية يوجد في وضعية تسيير الأعمال بعد انتهاء مدة انتدابها.
وبالتالي، فإن النقاش لا يتعلق بالأشخاص، ولا بالكفاءات، وإنما بمدى احترام الشروط القانونية والمؤسساتية التي تمنح الملاحظة الانتخابية مشروعيتها وحيادها.
الملاحظة الانتخابية ليست إجراءً تقنيًا
في الديمقراطيات الحديثة، تشكل الملاحظة المستقلة إحدى أهم ضمانات الثقة في الانتخابات، لأنها تمنح مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمع الدولي تأكيدًا بأن العملية الانتخابية جرت وفق معايير النزاهة والشفافية.
أما إذا أصبحت الجهة المكلفة بالملاحظة نفسها محل نقاش حول شرعيتها أو استقلاليتها، فإن ذلك قد يحول تقرير الملاحظة من عنصر لتعزيز الثقة إلى عنصر يغذي الجدل السياسي والحقوقي.
وهو وضع لا يحتاج إليه المغرب في هذه المرحلة الدقيقة، خصوصًا في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تعرفها المنطقة.
بيئة حقوقية تعرف اختلالات متراكمة
يزداد هذا التخوف بالنظر إلى السياق الحقوقي العام الذي يسبق الانتخابات، والذي يتسم بتراكم عدد من الملفات المثيرة للنقاش.
ففي الوقت الذي تستعد فيه مؤسسات حقوق الإنسان لملاحظة الانتخابات، تعرف الساحة الوطنية متابعة قضائية لفنان راب يعتبرها عدد من الحقوقيين قضية مرتبطة بحرية الرأي والتعبير، وهو ما أعاد إلى الأذهان الجدل الذي رافق محاكمات سنة 2023 المعروفة إعلاميًا ب”قضية عبدة الشيطان” و هم كانوا فقط 14موسيقييين شباب اعتقلوا بسبب رايهم وتعبيرهم الموسيقي”.
كما برزت، في التوقيت نفسه، قضية المعتقل على خلفية “احداث أكديم ازيد”، الذي دخل في إضراب عن الطعام، وهي قضية يخشى كثيرون أن تتحول إلى مادة للاستغلال السياسي والإعلامي، خصوصًا في ارتباطها بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويأتي ذلك في ظرفية وطنية ودولية بالغة الحساسية، بعد الزخم الدبلوماسي الذي حققه المغرب في ملف الصحراء المغربية، ويكتسي هذا السياق حساسية خاصة بالنظر إلى أن الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 ستسبق، بفارق زمني لا يتجاوز خمسة أسابيع، أول احتفال بعيد الوحدة. وهو معطى يفرض الحرص على أن تجرى الانتخابات في مناخ يسوده الاطمئنان والثقة، بعيدًا عن كل ما من شأنه تغذية الجدل الحقوقي أو إضعاف مصداقية المؤسسات المكلفة بضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، لما لذلك من انعكاسات محتملة على صورة المغرب في مرحلة دقيقة من مسار قضيته الوطنية
ومن ثم، فإن أي توتر حقوقي أو سياسي غير مُدبَّر بحكمة قد يُستغل للإساءة إلى صورة المغرب أو للتشكيك في نزاهة استحقاقاته الانتخابية.
مسؤولية مؤسساتية قبل أن تكون سياسية
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم انتخابات ناجحة، وإنما بضمان أن تكون ملاحظة الانتخابات نفسها فوق كل شبهة قانونية أو مؤسساتية.
ولهذا، يبدو من الضروري معالجة الإشكالات المرتبطة بالوضعية القانونية والتنظيمية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية قبل انطلاق عملية الملاحظة، بما يضمن احترام القانون، ويعزز الثقة الوطنية والدولية في التقارير التي ستصدر عنها.
فالمصداقية تُبنى قبل يوم الاقتراع، ولا تُستعاد بعد إعلان النتائج.
نحو انفراج حقوقي يعزز الثقة
لقد راكم المغرب، خلال العقود الماضية، مكاسب دستورية ومؤسساتية مهمة في مجال حقوق الإنسان، وهي مكاسب تستحق أن تُصان وأن تُعزز، لا أن تُضعف بسبب اختلالات مؤسساتية أو تدبيرية يمكن معالجتها في الوقت المناسب.
واليوم، وقبل أقل من شهرين على الانتخابات التشريعية، تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة مؤسساتية تعيد الاعتبار لدور المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتضمن سلامة الإطار القانوني للملاحظة المستقلة، وتُسهم في تهدئة المناخ الحقوقي والسياسي.
فنجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بسلامة الإجراءات، بل أيضًا بمدى الثقة التي ستُمنح لمؤسسات الملاحظة، وبقدرتها على إصدار تقييم يحظى بالمصداقية والقبول لدى مختلف الفاعلين الوطنيين والدوليين.
مولاي أحمد الدريدي الكاتب العام للمركز المغربي من أجل ديمقراطية الانتخابات

