العيرج ابراهيم : لصحراء نيوز
مرة أخرى، يثبت جزء من الطبقة السياسية المغربية أن الخطابات الرنانة شيء، والممارسة الفعلية شيء آخر تماماً.
ففي الوقت الذي يئن فيه المغاربة تحت وطأة الغلاء المتصاعد، وأسعار المحروقات التي تستنزف القدرة الشرائية للمواطنين، اختار 29 مستشاراً برلمانياً الاصطفاف ضد مقترحين يهمان تسقيف أسعار المحروقات وإعادة شركة “لاسامير” إلى حضن الدولة قصد إعادة تشغيلها وتعزيز السيادة الطاقية الوطنية.
إن المفارقة الصادمة تكمن في أن الذين لا يترددون في رفع شعارات “الدولة الاجتماعية” و”حماية القدرة الشرائية” و”الدفاع عن المواطن”، هم أنفسهم الذين وقفوا سداً منيعاً أمام مبادرات كان من شأنها فتح نقاش جدي حول ضبط أسعار المحروقات وتقوية الأمن الطاقي للمملكة.
أي منطق هذا الذي يجعل ممثلي الشعب ينحازون إلى مصالح السوق الحرة المنفلتة، بينما يترك المواطن وحيداً في مواجهة لهيب الأسعار؟
وأي معنى يبقى للوعود الانتخابية إذا كانت أول ضحية لها هي القدرة الشرائية للمغاربة؟
لقد أثبت هذا التصويت أن بعض السياسيين لا يتذكرون المواطن إلا خلال الحملات الانتخابية، أما حين تحين لحظة الاختيار بين مصلحة الشعب ومصالح لوبيات المال والريع، فإن البوصلة تتغير، وتصبح الأولوية لحسابات أخرى لا علاقة لها بمعاناة المواطنين.
إن إعادة تشغيل “لاسامير” ليست مجرد قضية شركة متوقفة، بل هي قضية سيادة وطنية وأمن طاقي واستقلال اقتصادي. أما تسقيف أسعار المحروقات فليس بدعة اقتصادية، بل إجراء معمول به في عدة دول لحماية المستهلكين من المضاربات والجشع.
لكن يبدو أن من صوتوا ضد هذين المقترحين يعتبرون أن أرباح الشركات مقدسة، بينما جيوب المغاربة قابلة للمزيد من الاستنزاف.
والأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء لن يترددوا غداً في الخروج أمام الكاميرات للتباكي على غلاء المعيشة، وتقديم أنفسهم في صورة المدافعين عن الفئات الهشة، وكأن ذاكرة المغاربة قصيرة، وكأن محاضر التصويت لا تُوثق المواقف.
التاريخ السياسي لا يخلد الشعارات، بل يسجل المواقف. وسيظل هذا التصويت شاهداً على لحظة اختار فيها 29 برلمانياً الوقوف ضد مشروعين اعتبرهما كثير من المغاربة مرتبطين بالقدرة الشرائية والسيادة الطاقية، في وقت كانت فيه البلاد بحاجة إلى قرارات جريئة تنحاز للمصلحة العامة لا إلى الحسابات الضيقة.
فالمواطن المغربي لم يعد يطلب المعجزات، بل يريد ممثلين يصوتون لصالحه عندما تحين لحظة الاختبار، لا أن يتحولوا إلى حراس لمصالح لا تشبه همومه ولا تعكس انتظاراته.

