إلى أي حد يمكن لانتخابات 2026 أن تساهم في تعزيز المشاركة السياسية واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، في ظل استمرار ظاهرة العزوف الانتخابي لدى فئات واسعة من المجتمع؟
يشكل الإستحقاق التشريعي المرتقب برسم سنة 2026 محطة مفصلية في المسار الديمقراطي السياسي المغربي و في بناء مستقبل التدبير السياسي بالبلاد . و قد بدأت ملامح مرحلة ما قبل الانتخابات تتشكل مبكرا من خلال حركة سياسية ملحوظة ,سواء من قبل أحزاب الأغلبية الحكومية أو أحزاب المعارضة. و تتجلى هذه الدينامية في تكثيف الجهود و الأنشطة التوعوية و اللقاءات التواصلية ، مع توجيه مباشر إلى الفئة أكثر عزوفا عن الإنخراط السياسي و هي فئة الشباب او كما يطلق عليهم gen z لحثهم على المشاركة الفعالة في العمل السياسي كحق دستوري سواءً على مستوى الإنخراط في العمل الحزبي أو على مستوى التسجيل في اللوائح الانتخابية من أجل المشاركة في الإستحقاقات المقبلة سواءً عبر الترشح او التصويت.
وفي هذا السياق و مع اقتراب نهاية فترة التسجيل في اللوائح الانتخابية وبداية السباق الإنتخابي يتحتم على الفاعلين السياسيين إعطاء نفس جديد للممارسة السياسية و تعزيز مشاركة الشباب كبديل مطروح للتغيير و لي تجسيد مبدأ تجديد النخب و إدماج رؤى و أفكار جديدة قادرة على مواكبة التطورات الإقتصادية و التحولات المجتمعية ، وكذلك تسليط الضوء و الدفع بالتمثيلية النسائية إلى الصفوف الأمامية من اللوائح الانتخابية للترشح ,حيث يشكل تعزيز حضور النساء تكريسا لمبادئ المساواة و تكافؤ الفرص و توسيعا لقاعدة المشاركة السياسية الديموقراطية . كما أن إشراك الشباب والنساء في الحياة السياسية وتجديد النخب يشكلان مدخلاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنين ومحاربة ظاهرة العزوف السياسي وتقوية المسار الديمقراطي، بما يساهم في بناء مؤسسات أكثر تمثيلية وقرباً من انتظارات المجتمع المغربي .
وفي هذا الإطار، أكد جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2018 أن “الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها”، غير أنه دعاها إلى استقطاب نخب جديدة وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي وتجديد أساليب اشتغالها “ الا انه يتعين عليها استقطاب نخبة جديدة ، وتعبئة الشباب للإنخراط في العمل السياسي ,لأن ابناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل و متطلبات اليوم “. وتبرز أهمية هذا التوجيه الملكي اليوم أكثر من أي وقت مضى، مع اقتراب انتخابات 2026، حيث يشكل إشراك الشباب والنساء وتجديد النخب السياسية أحد المداخل الأساسية للحد من ظاهرة العزوف الانتخابي وتعزيز المشاركة المواطنة.
كما دعى جلالته أيضا على تجديد أساليب إشتغال الأحزاب السياسية ” كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب و آليات إشتغالها “. ومن هذا المنطلق يبرز جوهر النقاش حول تجديد النخب السياسية . فالتجديد لا يعني فقط استبدال أسماء بأخرى او الدفع بوجوه جديدة إلى الواجهة ، بل يتطلب مراجعة شاملة و حقيقة لأليات العمل الحزبي و أساليب الديموقراطية الداخلية و طرق تدبير الشأن العام. فالكفاءة و الشفافية و ربط المسؤولية بالمحاسبة أصبحت عناصر و محاور أساسية و ضرورية لإستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة .
وإذا كانت الإشكالية المطروحة تتمثل في مدى قدرة انتخابات 2026 على تعزيز المشاركة السياسية واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، فإن الجواب يظل رهيناً بقدرة الأحزاب السياسية على تجديد خطابها وآليات اشتغالها، وتقديم كفاءات قادرة على الاستجابة لتطلعات المغاربة. كما أن نجاح هذا الاستحقاق يكتسي أهمية خاصة في ظل التحديات الوطنية الكبرى التي تنتظر المملكة، سواء ما يتعلق بمواصلة تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتباره حلاً واقعياً وذا مصداقية، أو الاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، وما يفرضه ذلك من الحاجة إلى حكومة قوية ومنسجمة قادرة على مواكبة أوراش التنمية، وهو ما يطلق عليه البعض “حكومة المونديال”. لذلك، فإن المشاركة الواعية والمسؤولة في انتخابات 2026 تبقى مسؤولية مشتركة من أجل مغرب أكثر ديمقراطية وتنمية وإشعاعا .
في الختام، تمثل انتخابات 2026 اختباراً حقيقياً لتجاوز العزوف وتعزيز المشاركة السياسية، عبر إشراك الشباب والنساء وتجديد النخب، في سياق وطني يفرض حكامة فعالة لمواكبة رهانات المستقبل.

